المقدمـــة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبتوفيقه ورضوانه تتكامل الخيرات، الحمد لله القائل: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )
"المجادلة-11"
والصلاة والسلام على سيدنا وشفيعنا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين آمنوا به واتبعوه، فبلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، رضي الله عنهم أجمعين.

لقد سار على هذا الدرب علماء مخصلون، بذلوا الأرواح والمهج في سبيل الله، ورفعة لهذا الدين، فقطعوا الفيافي والقفار، والجبال والأودية، لينهلوا من معين العلماء ويكملوا عنهم حمل الرسالة إلى من بعدَهم.

وإن من يقرأ سير هؤلاء العلماء، سيجد همماً عالية، وأعمالاً سامية، تلزمنا أن نقف وقفة تقدير وإجلال لهؤلاء الأخيار البررة.

وإن الرجوع إلى أخبارهم وسيرهم وأحوالهم لهو مدعاة لتحريك الهمم للسير على نهجهم وخطاهم، وخير وسيلةٍ للتأسي بهم في جدهم وجهادهم واجتهادهم وتحملهم في سبيل الوصول الى خيري الدنيا والآخرة. ومن هؤلاء العلماء الأخيار، "الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسيّ الجمّاعيلي"، إمام المذهب الحنبلي في زمانه، وصاحب التصانيف الجليلة. عاش حياته كلها طلباً للعلم تلقياً وتدريساً وتأليفاً وإرشاداً بسلوكه وأفعاله، وجهاداً في سبيل الله.

أهمية الموضوع وأسباب الإختيار:
منذ أن وعيت وأنا أسمع أن بلدي "جماعين" هي بلد العلماء، وكنت كثيراً إذا التقيت رجلاً متعلماً ومثقفاً وخاصة في العلم الشرعي، عندما أُعرِّفه على نفسي وبلدي أجده يقول مستفهماً أو مخبراً، "أنت من بلد ابن قدامة؟"، "أنت من بلد الإمام الموفق؟"، "أنت من بلد صاحب المغني؟"، فصرت أبحث عن كتب تعرفني على "الإمام الموفق"، فما وجدت إلا ترجماتٍ بسيطة موجزة، بعد مقدمة كل كتاب من كتبه غالباً، يضيفها المحقق للكتاب كالعادة تعريفاً بالمؤلف. وكانت هذه الترجمات- رغم قصرها- تدل على عالمٍ فذّ، وعَلَمٍ كبير من أعلام أمتنا، ينتسب إلى أسرة عريقة من العلم والدين والتقوى.

فرأيت أنه من الواجب على الأمّة أن تحيي سير هؤلاء العلماء أمثال الإمام الموفق، تخليداً لذكراهم، وإحياءً لعلمهم وسلوكهم وفكرهم، واقتداءً بهم.

وقد جاء هذا البحث، وهذا الجهد المتواضع، خطوة على طريق تحقيق هذا الهدف. وما أظنني قد أديته حقه، لما للإمام الموفق من فضائل علمية وخلقية وسلوكية، ومنزلة سامية تمثلت في كبار علماء أمتنا.

منهجي في البحث

لإخراج هذا البحث بصورة موثقة متكاملة، اتبعت المنهج التاريخي في إعداد هذا البحث، وقد اعتمدت في ذلك على :-
1- كتب التراجم التي تناولت تراجم الإمام الموفق وشيوخه وأهله ومعاصريه وتلاميذه.
2- كتب التاريخ التي أرخت للفترة التي سبقت الإمام الموفق والفترة التي عاشها.
3- ترجمت للبلاد من خلال "معجم البلدان" لياقوت الحموي للبلاد القديمة، "وبلادنا فلسطين" للدباغ للقرى والبلدان الفلسطينية. كما اعتمدت قليلاً على الشبكة العالمية "الإنترنت" في المسميات الحالية للبلاد التي لم يوضحها معجم البلدان.
4- رجعت الى معاجم المؤلفات ما استطعت في معرفة المؤلفات التي وردت في البحث.
5- اعتمدت على كتب حديثة تترجم لسيرة عالم واحد، وذلك للاستفادة منها في صياغة لغة البحث وترتيبه.
6- عزوت الآيات إلى سورها، وخرجت الأحاديث الواردة والحكم عليها إن وجد.
7- فهرست للمراجع الواردة في الهوامش حسب نظام البدء باسم الكتاب ثم المؤلف، وذلك لسهولته في حال الرجوع إليه.
8- استعنت بالبرامج والمكتبات المحوسبة الخاصة بالكتب النادرة والمخطوطات.

أما عن خطتي في البحث
فقد اشتمل بحثي على مقدمة وخمسة فصول وخاتمة، وقسمت الفصل إلى عدة مباحث، والمبحث الى عدة مطالب ما احتجت الى ذلك، فكان البحث كما يلي:-
المقدمة: جعلتها مدخلاً عاماً، وبينت فيها أهمية الموضوع وأسباب اختياره، والمنهج الذي استخدمته، وخطتي لهذا البحث.

الفصل الأول: العصر والبيئة التي عاش فيها الإمام الموفق
المبحث الأول: الحياة السياسية ............................................. 6
المبحث الثاني: الحياة العلمية والدينيّة ...................................... 9
المبحث الثالث: الحياة الإجتماعية .......................................... 10
المبحث الرابع: الحياة الإقتصادية .......................................... 10
المبحث الخامس: هجرة بني قدامة من جماعين إلى دمشق .................. 11

الفصل الثاني: أخبار الموفق الشخصية (اسمه ونسبه ونشأته)
المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ........................................ 16
المبحث الثاني: مولده ..................................................... 17
المبحث الثالث: أسرته .................................................... 17
المبحث الرابع: ذريته ..................................................... 22
المبحث الخامس: بلده ..................................................... 23

الفصل الثالث: نشأته العلمية ورحلاته وجهاده
المبحث الأول: طلبه للعلم على أهله ....................................... 32
المبحث الثاني: طلبه للعلم على علماء دمشق .............................. 33
المبحث الثالث: رحلاته في طلب العلم .................................... 34
المبحث الرابع: شيوخه ................................................... 37
المبحث الخامس: جهاده ................................................... 40

الفصل الرابع: صفاته ومكانته العلمية وآثاره
المبحث الأول: صفاته .................................................... 43
المبحث الثاني: ثناء العلماء عليه وألقابه ................................... 46
المبحث الثالث: مكانته العلمية ............................................. 48
المبحث الرابع: تلاميذه .................................................... 54
المبحث الخامس: مؤلفاته وآثاره ........................................... 56
المبحث السادس: كراماته ................................................. 59

الفصل الخامس: وفاته – رحمه الله –
المبحث الأول: وفاته ...................................................... 62
المبحث الثاني: دفنه ....................................................... 62
المبحث الثالث: ما جاء في وفاته .......................................... 62

الخاتمة وتوصيات البحث..................................................... 64
فهرس الهوامش ........................................................... 65
الملاحق .................................................................... 84
فهرس المراجع ............................................................. 90


واللهَ نسألُ التوفيقَ والسداد







الفصل الأول

العصر والبيئة التي عاش فيها
الإمام الموفق

- المبحث الأول : الحياة السياسية.
- المبحث الثاني : الحياة العلمية والدينية.
- المبحث الثالث : الحياة الإجتماعية.
- المبحث الرابع : الحياة الإقتصادية.
- المبحث الخامس : هجرة بني قدامة من جمّاعين إلى دمشق.










الفصل الأول
العصر والبيئة التي عاش فيها
الإمام الموفق

عاش موفق الدين – رحمه الله – في الفترة العباسية، ما بين (541-620)هـ "وهذه الفترة تولى فيها الخلافة من بني العباس:-
- المقتفي بالله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله ، الذي تولى الخلافة ما بين (530-555)هـ.
- ثم خلفه ابنه المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن محمد المقتفي بالله ما بين (555-566)هـ.
- ثم خلفه ابنه المستضيء بالله أبي محمد الحسن بن يوسف ما بين (566-575)هـ.
- وبعد المستضيء بالله تولى الخلافة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء ما بين (575-622)هـ"(1).
وقد كانت هذه الفترة مليئة بالأحداث والتغيرات والتقلبات السياسية، مما كان له بالغ الأثر في الحياة العلمية والاجتماعية والاقتصادية.

لذا كان لا بد من إبراز الحياة السياسية في الفترة التي سبقت الإمام الموفق – رحمه الله – والفترة التي عاش فيها، وإبراز الحياة العلمية والإجتماعية والإقتصادية في تلك الفترة، لما لذلك من تأثير على حياة الإمام موفق الدين – رحمه الله – .

المبحث الأول
الحياة السياسية:
في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، ضعف أمر الخلافة العباسية وانفصلت الإمارات عنها، وانبرى بعضها يقاتل بعضاً(2) .
وظهرت العديد من الدول التي كان لها الأثر الكبير في محاربة الصليبيين، فعلا شأنها وارتفع ذكرها... فكانت في المغرب دولة المرابطين(3)... وخلفهم الموحِّدون(4) وظهرت في الوقت نفسه دولة آل زنكي(5) في المشرق... كما قامت الدولة الأيوبية(6) في مصر، وكانت دولة خوارزم(7) في الشمال الشرقي من العالم الإسلامي، كما قامت دولة الغوريين(8) على أنقاض الدولة الغزنوية في الجنوب الشرقي من العالم الإسلامي(الهند). وظهرت إمارات السلاجقة(9) في الأناضول(10) وأرمينية(11) ودمشق، ثم حمص وحماة وبلاد ما وراء النهر(12)، ودخلوا بغداد فكانوا هم الحكام الفعليين مكان الخليفة العباسي، وتوسعوا في بلاد الروم، واستردوا بعض ما كان الروم أخذوه من المسلمين(13).
وفي هذه الفترة عاد الزحف الصليبي إلى بلاد الإسلام فملكوا إنطاكية(14) ثم جاءوا إلى مِعرّة النعمان(15) فحاصروها ودخلوا وقتلوا خلقاً كثيراً، وقيل أنهم قد قتلوا في بيت المقدس سبعين ألف نفس(16).

يقول ابن كثير: "لما كان ضحى الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة أخذت الفرنج لعنهم الله بيت المقدس شرفه الله، وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين وجاسوا خلال الديار وتبروا ما علو تتبيراً "(17).

وقد سقطت العديد من مدن وحصون بلاد الشام في أيدي الصليبيين فنهبوا وقتلوا "وتشكلت للصليبيين أربع إمارات صليبية في بلاد الشام وهي:-
إمارة في الرهـا(18)، إمارة في طرابلس(19)، إمارة في بيت المقدس ، إمارة في أنطاكية "(20).
"لكن الصليبين لم يجدوا الأمن والاستقرار في بلاد الشام في المناطق التي سيطروا عليها رغم انتصارهم، إذ كان السكان المسلمون ينالون منهم كلما سنحت لهم الفرصة، كما يُغِير عليهم الحكام المسلمون في سبيل إخراجهم من البلاد، ودفاعاً عن عقائدهم ومقدساتهم التي كان الصليبيون ينتهكونها"(21).

وظهرت الدولة الزنكية حيث ملك عماد الدين زنكي بن آقسنقر(22) مدينة حلب وقلعتها وذلك سنة 533 هـ(23)، وبدأ يطهِّر البلاد من الصليبيين، ولما قتل أتابك الشهير عماد الدين زنكي بن آقسنقر عام 541هـ، سار أبناؤه على نهج والدهم، وكان أبرزهم نور الدين محمود زنكي الشهيد الذي أرجع العديد من المدن والحصون الإسلامية من الصليبيين.

كما تولى صلاح الدين يوسف بن أيوب(24) ملك مصر، بعد وفاة أسد الدين شيركوه. يقول ابن كثير " فلما توفي أسد الدين – رحمه الله – أشار الأمراء الشاميّون على العاضد بتولية صلاح الدين يوسف الوزارة بعد عمِّه، فولاه العاضد الوزارة، وخلع عليه خلعة سنية، ولقبه الملك الناصر"(25) وذلك سنة 564هـ.

وفي هذه الفترة كان فتح بيت المقدس ، يقول صاحب الروضتين " ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة: وهي سنة كسرة (وقعة) حطين، وفتح الساحل والأرض المقدسة "(26).
وفي إطار الحياة السياسية ولكن في جانب آخر، فقد انتهت الدولة الفاطمية(27) في مصر عام (567هـ) بوفاة العاضد عبد الله بن يوسف الحافظ(28). يقول صاحب الروضتين " ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة، واستفتحها صلاح الدين - رحمه الله تعالى- بإقامة الخطبة الأولى منها بمصر لبني العباس، وفي الجمعة الثانية خطب لهم بالقاهرة، وانقطع ذكر خلفاء مصر منها، وتوفي العاضد يوم عاشوراء بالقصر، وانقضت تلك الدولة "(29) وبهذا انتهى حكم الباطنية الرافضة عن مصر.

أثر الحياة السياسية على الإمام الموفق
لقد ولد الإمام الموفق في جمّاعيل(30)، التي كانت ترضخ تحت الاحتلال الصليبي، وقد أثر ذلك على حياة الموفق – رحمه الله -، بل إن ذلك كان السبب الرئيسي لهجرة آل قدامة من فلسطين إلى دمشق. وهذا ما ذكره الحافظ ضياء الدين المقدسي حيث يقول: "أن المسلمين صاروا تحت أيدي الفرنج بأرض بيت المقدس ونواحيها، يعملون لهم الأرض وكانوا يؤذونهم ويحبسونهم ويأخذون منهم شيئاً كالجزية، وكان أكثر الفرنج(31) أهومن بن بارزان(32) - لعنه الله-، وكانت تحت يده جمّاعيل، قرية أصحابنا... وكان إذا أخذ الكفار من رجل ممن تحت يده ديناراً أخذ هو أربعة دنانير وكان يقطع أرجلهم، ولم يكن في الكفار أغنى منه ولا أكثر ثمراً - أخزاه الله-"(33). ونتيجة لذلك فقد هاجر الشيخ أحمد بن قدامة - والد الموفق- إلى دمشق. يقول عنه الإمام الذهبي في العبر " وكان خطيب جمّاعيل ففر بدينه من الفرنج، فهاجر إلى الله "(34).

المبحث الثاني
الحياة العلمية والدينية:
لقد عاش الإمام الموفق – رحمه الله –، في فترة من أفضل الفترات، التي غنيت بالعلماء الأجلاء، لا في الشام وحده، بل في العالم الإسلامي كله. فإذا نظرنا في صفحات كتب التراجم والسير، في الفترة التي عاش فيها الموفق، نجد الكثير من علماء المسلمين ومجتهديهم، قد عاشوا في هذه الفترة.

وقد قضى الإمام الموفق – رحمه الله – معظم حياته، في دمشق العاصمة الإسلامية لبني أمية، التي كانت مليئة بالعلم والعلماء، وبأهل التقوى والصلاح(35).

كما تلقى معظم علومه في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، والتي كانت في أوج تقدمها العلمي والثقافي(36)، ومحط أنظار طلبة العلم والفقه. لذلك سنجد أن معظم شيوخ الموفق – رحمه الله - الذين تلقى عنهم العلم كانوا في بغداد.(37).

وكانت تلك الفترة غنيّة بالمدارس والجوامع، التي كانت تدرِّس العلم الشرعي، فكانت كل مدرسة تدرس على مذهب مؤسسها والقائم عليها، فكانت مدارس الشافعية والحنفية والحنابلة. وقد كتب الشيخ عبد القادر النعيمي (ت987هـ) لتلك المدارس والجوامع كتاباً سَمّاه ( الدارس في تاريخ المدارس) أرَّخ لها، وترجم لشيوخها وعلمائها.

ولقد برزت في تلك الفترة مدارس تعلم العلم الشرعي، وهي ذات طابع فكريّ نهضويّ، كان لها تأثيرها، مثل مدرسة الشيخ عبد القادر الجيلاني(38) – رحمه الله –(39)، والتي كان الإمام الموفق – رحمه الله – أحد تلاميذها.

وقد تميزت تلك الفترة أيضاً بالتنافس والتصارع الشديدين بين أتباع المذاهب المختلفة، خاصة أتباع المذهبين الحنبلي، والأشاعرة الشافعية، " ودخل أتباع هذه المذاهب في صراع مذهبي، استنفذ جهود الجميع في ميادين لا طائل تحتها، ووصف جوانب الحياة الثقافية والاجتماعية بالسلبية والتقليد والجمود"(40).

ومن الناحية الدينية، برزت ظاهرة التصوف والاعتزال، وكان للتقلبات السياسية والصراعات المذهبية دورٌ مهم في ذلك، وهذا يشير إليه ما حصل للإمام أبي حامد الغزالي(41) والشيخ عبد القادر الجيلاني، وهما من مؤسسي أبرز مدرستين للتصوف في تلك الفترة(42).


المبحث الثالث
الحياة الاجتماعية:
كانت أرض بيت المقدس، وما حولها تقع تحت الإحتلال الصليبي، وكان الإحتلال الصليبي يرهق الفلاحين بضرائبه، ويجبرهم على العمل في الأرض(43)، وكان لذلك تأثيره الإيجابي على علاقات الناس مع بعضهم، فكان الناس يتكافلون مع بعضهم البعض، ويتعاونون فيما بينهم، ومن ذلك حصل لآل قدامة أثناء هجرتهم، عندما وصلوا إلى قرية جبعيت(44) عند الغور(45) أكرمهم الريِّس الذي في تلك القرية وذبح لهم(46). وعندما نزلوا في جبل قاسيون(47) كان الناس يأتونهم ويزورونهم ويهدون إليهم الفاكهة والفحم وغير ذلك الكثير(48).
وفي المقابل كذلك عمّت الفوضى وانعدام الأمن بسبب الإحتلال الصليبي، فكثر اللصوص وقطاع الطرق. وهذا ما حدث مع آل قدامة أيضاً أثناء هجرتهم، حيث لقيهم قطاع الطرق في الغور، وحاولوا سلبهم ما معهم لولا مساعدة أهل تلك النواحي(49)، وكذلك ما حدث معهم عندما بنوا الدير(50) وسكنوا جبل قاسيون، فقد كانوا يحرسونه ليلاً خوفاً من اللصوص، حتى صنعوا للدير باباً(51).

كان للمحيط الاجتماعي والترابط الأسري الدور الكبير في حياة الموفق – رحمه الله – وطلبه للعلم، فقد شكلا للموفق- رحمه الله- الحماية والرعاية، وساهما في توفير الإستقرار النفسي والعقلي عنده، وخاصة ما لقيه الموفق من رعاية وعناية، من أخيه الأكبر الشيخ أبي عمر بعد وفاة والده سنة 558هـ.

المبحث الرابع
الحياة الإقتصادية:
كانت فلسطين قبل وأثناء فترة الموفق – رحمه الله – يقع معظمها تحت احتلال الفرنج الذين استولوا على كل شيء كان يقع تحت أيديهم، وجعلوا المناطق المحتلة إقطاعات على طريقتهم الأوروبية.. وتركوا بعض السكان في القرى لاستخدامهم،... وفرضوا عليهم الجزية، وأجبروهم على الخدمة الدائمة، والإقامة الجبرية لتحويلهم إلى نوع من عبيد الأرض(52).
ولم يكن هذا في فلسطين وحدها، فقد كان الغزو الصليبي والتقلبات السياسية والصراعات الداخلية تؤثر على الواقع الاقتصادي في معظم بلاد العالم الإسلامي، لأن أي نمو اقتصادي يحتاج إلى الاستقرار السياسي.

يقول ابن الأثير عن حوادث سنة 543هـ "وفيها غلت الأسواق بالعراق، وتعذرت الأقوات بسبب العسكر الوارد، وقدم أهل السواد إلى بغداد منهزمين، قد أُخِذت أموالهم، وهلكوا جُوعاً وعُرْياً، وكذلك أيضاً كان الغلاء في أكثر بلاد خراسان، وبلاد الجبل، وأصفهان وديار فارس، والجزيرة والشام، وأما بلاد المغرب فكانت أشد غلاءً، بسبب انقطاع الغيث، ودخول العدو إليها"(53).

وكذلك انتشرت الأمراض بسبب الأحوال الاقتصادية السيئة، فقد توفي بسبب انتشار الأوبئة من الذين هاجروا إلى الصالحية من بني قدامة وأقاربهم ثمانية وعشرون نفساً في ثلاث سنين(54).


المبحث الخامس
هجرة بني قدامة من جمّاعيل إلى دمشق:
في أواخر القرن الخامس الهجري، ازدهرت نهضة علمية كبيرة في بيت المقدس وما حوله. فكانت مدينة القدس ومدن فلسطينية أخرى مثل نابلس، وعسقلان وعكا في ذروة من النشاط العلمي الواسع، فتأسست في القدس مدارس للحنفية والشافعية والحنابلة، وانتشرت حلقات العلم في المدارس والجوامع، وكانت المناظرات بين العلماء لها دورها وتأثيرها في تشجيع العلماء والطلاب على الدرس والمتابعة.

وجاء الاحتلال الصليبي سنة 492هـ، ليخنق بضربة دموية شرسة كل تلك الحركات العلمية والنهضات ويسحقها سحقاً كاملاً، ويكفي أن نعلم أن الصليبيين قتلوا يوم احتلال بيت المقدس ضمن السبعين ألف قتيل، ثلاثة آلاف عالمٍ وعابدٍ ومعتكفٍ مشهور الحالة.

ارتكب الصليبيين المذابح الوحشية، وخاصة ضد أهالي المدن الكبرى، وتركوا بعض السكان في القرى لاستخدامهم، وفرضوا عليهم الجزية، وأجبروهم على الخدمة الدائمة، والإقامة الجبرية لتحويلهم إلى نوع من عبيد الأرض.
لم يستسلم المسلمون لهذا الظلم، وظهرت ملامح المقاومة، وخاصة في المناطق الجبلية كنابلس وغيرها. وكانت دروس التوجيه والإرشاد من العلماء والخطباء، فكانت جذوة علمية إلى طرق الجهاد والمقاومة(55).

وكان من هؤلاء العلماء الشيخ أحمد بن قدامة المقدسي من جمّاعيل رحمه الله.

المطلب الأول: سبب هجرة بني قدامة:
كان الشيخ أحمد يخطب يوم الجمعة في مسجد جمّاعيل، ويأتي إليه الناس من القرى يحضرون الجمعة. فقيل لابن بارزان(56) – لعنه الله-: "إن هذا الفقيه يشغل الفلاحين عن العمل ويجتمعون عنده " فغضب ابن بارزان وتحدث في قتله. فأعلم الشيخَ أحمدَ رجلٌ من عّمال "ابن بارزان" يقال له "ابن تيسير"، فعزم الشيخ على المضي إلى دمشق. فهاجر الشيخ أحمد – رحمه الله – ثم لحقه أهله وأقاربه وذلك سنة إحدى وخمسون وخمسمائة(57).

المطلب الثاني: نزولهم مسجد أبي صالح(58) ثم سفح جبل قاسيون:
أقام المهاجرون من بني قدامة ومن هاجر معهم بمسجد أبي صالح نحو ثلاث سنين وأكثر، وكان قبلهم في يد بيت الحنبلي. فانتشر فيه المرض، ومات من المهاجرين في تلك المدة ثمانية وعشرين نفساً. ثم إن الشيخ أحمد بن قدامة – رحمه الله – قرر الإنتقال من مسجد أبي صالح، فبنى الدير في سفح جبل قاسيون، فابتنى في السنة الأولى ثلاثة بيوت، والسنة الثانية أتمه عشرة بيوت وانتقلوا إليه(59). وسميت هذه الدار " بدير الحنابلة "(60).

لم يكن بسفح قاسيون قبل هجرة بني قدامة اليه إلا بناية صغيرة ودير يسمى " دير الحوراني"، وبعد سكنهم دعيت بالصالحية نسبة لأولئك الفلسطينيين الذين عرفوا لعلمهم وتقواهم بالصالحين.(61).

المطلب الثالث: بناء المدرسة العمرية الشيخية والجامع المظفري:
استطاع الشيخ أبو عمر بن الشيخ أحمد بن قدامة المقدسيّ، أن يحول مسيرة أهله ومن معهم، إلى جيلٍ من العلماء العاملين الأتقياء، أصبحوا أعلاماً كباراً في علمهم وعملهم وسلوكهم، حتى صاروا محطة للعلم والورع، يقصدها المريدون من كل مكان(62).

فالمدرسة العمرية واقفها وبانيها الشيخ أبو عمر محمد المقدسي – رحمه الله –(63)، بناها في الصالحية، يمُرّ في وسطها نهر يزيد(64)، شرقي دير الحنابلة الذي بناه الشيخ أحمد بن قدامة والد الشيخ أبي عمر- رحمهما الله _.
ثم شرع الشيخ أبي عمر بعد ذلك في بناء المسجد بالجبل وذلك سنة 598هـ والشهير بجامع الحنابلة والجامع المظفري نسبة إلى السلطان مظفر الدين كوكبوري(65) الذي أنفق لإتمام بنائه(66).

ثم انتشر البناء في الصالحية، حتى صارت مدينة عظيمة مستقلة، فبنيت المساجد والمدارس، والبيوت وصارت منارة علم وتقوى، تخرج العلماء والفقهاء والزهاد(67).

المطلب الرابع: أثر هجرة بني قدامة إلى دمشق:
لقد كان لهجرة بني قدامة ومن معهم، آثار كبيرة وفوائد عظيمة. عضّد هذه الحركة السلطان نور الدين ومن بعده من الملوك الأيوبيين(68)، وقد كان السلطان نور الدين تربطه بالشيخ أحمد بن قدامه وأولاده علاقة خاصة فكان يزورهم ويسمع من الشيخ أحمد(69).

ومن هذه الآثار والفوائد:-
• أثر مدني عظيم، فقد أسسوا مدينة كبيرة إلى جانب مدينة دمشق، ما زالت تحتفظ باسم مؤسسيها الصالحين (الصالحية).
• نشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان اتباعه قلة فانتشرت مدارس هذا المذهب في الصالحية وفي دمشق، وكثر أتباعه، واستطاعوا بدراساتهم وتآليفهم الفقهية أن يوجدوا كتباً قيمة في مذهب الإمام أحمد.
• كما أثروا في علم الحديث، فقد ظلوا نحو مائة عام يعدون من فطاحل علماء الحديث، وانتشرت في عصرهم دور الحديث، وأدخلوا على علم الحديث اتجاهات جديده، كان لها أثر كبير في تنسق علوم الحديث وتصنيف أبحاثه المتعددة.
• أثروا أيضاً في نهضة المرأة العلمية، فقد أحضروها حلقات العلم ومجالس الحديث، فنشأت في الصالحية ودمشق، حركة نسائية علمية كان جلّ العالمات من الحنابلة.
• أثروا في الثقافة العامة بواسطة المكتبات التي أنشأوها، ومكتبات أوروبا اليوم تحتوي عدداً كبيراً منها. والمكتبة الظاهرية اليوم مدينة إلى مكتبات مدارس بني قدامه.
• أثروا أيضاَ في الشؤون العامة والمصرية من خلال تولي الوظائف الكبيرة، كالقضاء وقضاء القضاة، وتدخلوا في الحكم والسياسة(70).

وكان من بين أبرز المهاجرين من بني قدامة، الإمام موفق الدين، ابن الشيخ أحمد ابن قدامة وأخو الشيخ أبو عمر، فكان للموفق دوراً كبيراً وبارزاً في هذا النهضة العلمية والحضارية. والذي سيكون محور بحثنا هذا في الفصول القادمة.



الفصل الثاني
أخبار الموفق الشخصية
إسمُه ونسبه ونشأته

- المبحث الأول : اسمه ونسبه وكنيته.
- المبحث الثاني : مولده.
- المبحث الثالث : أسرته.
- المبحث الرابع : ذرّيته.
- المبحث الخامس : بلده.


الفصل الثاني
اسمُه ونسبُه ونشأتُه

كان الإمام الموفق- رحمه الله- ينتسب إلى أسرة عريقة في العلم والزهد والدين، وينحدر من سلالة كان لها شرف حمل دعوة الإسلام منذ بداياتها. كما أنه ينتمي إلى بلد خرّجت العديد من العلماء والفقهاء والمحدثين، ممن كانت لهم بصمات مشرقة حفروها بجدهم وجهدهم وجهادهم، ساهمت في رسم معالم التاريخ الإسلامي، وما زالت ماثلة إلى اليوم، سواءً في كتبهم التي تعج بها المكتبة الإسلامية، أو في تراجم حياتهم التي تزهو بها كتب التراجم والتاريخ والفقه والحديث وغيرها، أو في المخطوطات التي تحتاج إلى الباحث الجاد ذي الهمة العالية والروح المتوقدة، لاستخراج هذه النفائس من أعماق تلك المخطوطات.
لذا كانت هذه الصفحات للتعرف أسمه وأسرته وبلده التي ولد ونشأ فيها السنوات العشر الأولى من عمره.


المبحث الأول
اسمه ونسبه وكنيته:
هو شيخ الإسلام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر(71) بن فتح بن محمد بن حذيفة بن محمد بن يعقوب بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ القرشيّ نسباً، المقدسيّ الجمَّاعيليّ الدمشقيّ وطناً الحنبليّ مذهباً (72).

فهو منحدر من سلالة الخليفة الراشد الفاتح العادل الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه-، ثمّ من ذرية أشهر أولاده الصحابّي العالم الجليل عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما-، ثم من ذرية أشرفِ أولاده سالم بن عبد الله بن عمر- رحمه الله تعالى- أحد الفقهاء السبعة، الذي كان يُشَبَّه بأبيه في الهَدْي والسَّمْت (73).




المبحث الثاني
مولده:
اتفق المؤرخون على أنه وُلِدَ بقرية جَمَّاعيل(74) في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة (75).

انتسب إلى بيت المقدس لقرب جَمّاعيل منها، ولأن نابُلُسَ وأعمالها جميعاً من أكناف بيت المقدس (76). ولا زالت آثار البيت الذي وُلدَ فيه الإمام موفق الدين- رحمه الله- وعاش فيه طفولته قائمة في جمّاعين إلى اليوم ] ملحق 1[.

المبحث الثالث
أسرته:
نشأ الموفق - رحمه الله – في أسرة علمية زاهدة مجاهدة، ويعود الفضل بذلك إلى أجداده الصالحين، الذين عرفوا بزهدهم وجهادهم وحرصهم على طلب العلم. لذا لا بد أن نورد هنا تراجم مشاهير هذه الأسرة:-

جده الأعلى: قدامة بن مقدام بن نصر المقدسيّ

نشأ في قرية جمّاعيل، وطلب العلم، ورحل في طلبه إلى القدس، على الشيخ الشهير أبي الفرج عبـد الـواحد بـن محمـد الشـيرازي الحنبلي(77)، فتلقى على يدي أبي الفرج الفقه وغيره، وسأله الشيخ قدامة أن يدعو له بأن يرزقه الله حفظ القرآن، فدعا له بذلك، وحفظ الشيخ قدامة القرآن، فكان الشيخ الموفق- رحمه الله- يقول: "كلنا في بركات الشيخ أبي الفرج"(78). وكان الشيخ قدامة بن مقدام المقدسي خطيباً لقريته جمّاعين(79).

وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ عبد الواحد الشيرازي، سكن بيت المقدس ونشر مذهب الإمام أحمد – رضي الله عنه-(80). وهذا يوضح بداية علاقة آل قدامة مع المذهب الحنبلي.



جده: محمد بن قدامة بن مقدام المقدسي
ذكر الحافظ الضياء، نصاً هاماً، وفيه سماع جده محمد بن قدامة من الشيخ أبي القاسم عبد الله السلمي سنة 486هـ، في مسجد أبي صالح بدمشق، وهذا النص يتضمن رواية جده ثلاثة أحاديث نبوية(81).

وإتماماً للفائدة أورد جزءاً من النص، والذي نقله المؤلف بخط الحافظ الضياء(82):-
رأيت سماع الشيخ محمد بن قدامة النابلسيّ جد أمّي، على أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن علي بن صابر السلمي، في شهر ربيع الأخر من سنة ست وثمانين وأربع مئة، في مسجد أبي صالح، قال: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن محمد البجلي البوشنجي إمام المسجد الجامع بدمشق، بقراءتي عليه في شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وأربع مئة، أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن أحمد بن عبدان الأزدي، قال: حدثنا أبو الحسن عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد الكلابي، حدثنا أبو أيوب سليمان بن محمد بن إسماعيل الخزاعي في دار الضيافة، حدثنا محمد بن الوزير بن الحكم السلمي ويكنى أبا عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا محمد بن مهاجر(83)، عن سليمان بن موسى، قال: حدثني كريب مولى ابن عباس، قال: حدثني أسامة بن زيد قال: " ذكر رسول الله T الجنة، فقال: " ألا مشمرٍ لها، هي ورب الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مُطَّرِد، وزوجة حسناء جميلة، في حبرة ونعمة وسلامة، في إقامة أبد "(84).
وهذا يدلّ على اجتهاد الشيخ محمد بن قدامة المقدسي – جد الموفق – في طلب العلم، ورحلته من أجل سماع الحديث.

والده: الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي
" الشيخ الإمام القدوة،...، خطيب جمّاعيل"(85). ولد في جمّاعيل سنة 491هـ، وهاجر إلى دمشق سنة 551هـ، فنزل بمسجد أبي صالح، بظاهر باب شرقي نحو سنتين وانتقل إلى الجبل، وبنى الدير وسكن الجبل(86).

سافر واشتغل بالعلم، ورجع الى جمّاعيل وأقام بها، وانتفع به الناس بقراءتهم القرآن والعلم.. والحديث(87)، وقد حج وجاور وسمع من رُزَيْن العَبدْريّ(88) صحيح مسلم، وحدَّث به(89).

كان يحرض الناس، وينبه الفلاحين إلى خطر الصليبين وظلمهم واستبدادهم(90)، فأراد الصليبيون قتله، فبلغه ذلك، فعزم على المضي إلى دمشق، لخوفه على نفسه، وعجزه عن إظهار دينه(91).

كان قانتاً لله، زاهداً صالحاً، صاحب جدٍ وصدق وحرص على الخير(92) وكان عليه مهابة عظيمة بين عينيه نورٌ لا يراه أحدٌ إلا قبل يده(93)- رحمه الله تعالى -.

قال أبو الفرج بن الحنبلي:" كان له قدم في العبادة والصلاح، سمعت والدي يقول: لو كان نبيٌّ يبعث في زمان الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة كان هو"(94). وكان من زهده أنه لما جاء دمشق، خرج إليه أبو الفضل الشهرزوري(95) ومعه ألف دينار، فعرضها عليه فلم يقبلها، فاشترى بها قرية الهامة ووقفها على المقادسة(96).
ومن ذلك أن بني الحنبلي خاصموا الشيخ أحمد بن قدامة على المكان الذي نزلوا فيه في مسجد أبي صالح، فذُكر ذلك لنور الدين زنكي فكتب – رحمه الله- كتاباً سلم الوقف والمسجد إلى الشيخ أحمد ومن هاجر معه، "فلما تسلموا الوقف وصار بأيديهم، ضاق صدر الشيخ أحمد من ذلك وقال: أنا هاجرت حتى أنافس الناس على دُنياهم؟؟ ما أريد أن أسكن ههنا"(97).

تزوج الشيخ أحمد من سعيدة بنت أحمد بن عبد الله بن عمر بن شبيب (أم عبد الله) من دير عوريف(98)، وسعيدة بنت أحمد بن أبي الفتح من مردا(99) وانجبت له: أبو عمر محمد، والموفق عبد الله، وعبيد الله (100) ورقية، وفاطمة، ورابعة، وآمنة ماتت صغيرة(101).

توفي وله 67 سنة، سنة 558هـ، ودفن بسفح جبل قاسيون فوق مرقد الحوراني(102).

أخوه: الإمام الزاهد أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسيّ
وُلِدَ بجمّاعيل سنة 528هـ، وهاجر مع أبيه وأخيه الموفق إلى دمشق لاستيلاء الفرنج على الأرض المقدسة(103).

كان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال مبتسماً، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام(104).

كان - رحمه الله- إماماً فاضلاً مقرئاً زاهداً عابداً قانتاً لله خاشعاً، منيباً إلى الله، كثير النفع لخلق الله، ذا أوراد وتهجد واجتهاد، وأوقاتٍ مقسمة على الطاعات والذكر(105).

حفظ القرآن وقرأه بحرف أبي عمرو بن العلاء(106)، سمع الكثير وروى، وحفظ مختصر الخرقيّ في الفقه، وقرأ النحو بمصر وسمع الحديث بمصر والشام(107)، خرّج له الحافظ عبد الغني المقدسي(108)، أربعين حديثاً من رواياته وحدّث بها(109)، سمع الكثير بدمشق من والده ومن خلق يطول ذكرهم من علمائها، روى عنه الشيخ الموفق وأولاده وغيرهم كثير، جمع الله له معرفة الفقه والفرائض والنحو مع الزهد والعمل وقضاء حوائج الناس(110).
يعتبر الشيخ أبي عمر – رحمه الله – مؤسس الصالحية وباني المدرسة العمرية الشيخية وواقفها، وجعلها وقف على القرآن والفقه، وقد حفظ القرآن فيها أممٌ لا يحصون(111)، وهو خطيب جامع الحنابلة وإمامه، فإذا خطب رقت القلوب، وبكى الناس بكاءً شديداً(112)، ومكث مدة لا يأكل أهل الدير(113) إلا من بيته، وإذا جاء شيء إلى بيته فَرّقه على الخاص والعام، بل كان لا يخرج الى صلاة الجمعة الا ومعه شيء يتصدق به، وكان يؤثر بما عنده لأقاربه وغيرهم(114).

أما جهاده، فقد كان مسارعاً إلى الخروج في الغزوات قلما يتخلف عن غزاة، وقد شارك هو والشيخ الموفق في فتح بيت المقدس سنة 583هـ(115).
قال فيه الشيخ الموفق: "هو شيخنا ربانا وأحسن الينا وعلّمنا وحرص علينا، وكان للجماعة كالوالد يقوم بمصالحهم، ومن غاب منهم خلفه في أهله، وهو الذي هاجر بنا، وهو الذي سفّرنا إلى بغداد، وهو الذي كان يقوم على بناء الدير، وحين رجعنا من بغداد، زوَّجنا، وبنى لنا دورنا الخارجة عن الدير"(116).

وفي عشية يوم الأثنين ثامن عشر ربيع الأول سنة 607هـ، جمع أهله واستقبل القبلة، ووصاهم بتقوى الله ومراقبته، وأمرهم بقراءة سورة "يسن" وكان آخر كلامه: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )(117) ثم فاضت روحه - رحمه الله-(118).
لم يتخلف عن جنازته أحد من القضاة والعلماء والأمراء والأعيان وعامة الخلق(119)، وحُزر من حضر جنازته فكانوا عشرين ألفاً(120)، ودفن في جبل قاسيون إلى جانب والده. ولم يخلف ديناراً ولا درهماً.
كان له من الأولاد: عمر وبه كان يكنى أبا عمر، توفي في حياة أبيه(121) ورثاه ، وعبد الله (ت643)، وأحمد، وعبد الرحمن(ت682). ومن البنات: خديجة(ت631هـ)، آمنة(ت631هـ)، حبيبة (ت674هـ)، وعائشة وزينب(122).

أخته: رقية بنت أحمد بن محمد بن قدامة المقدسيّ
ولدت قُرابة سنة (536هـ) بجمّاعيل، وهاجرت مع أهلها إلى دمشق سنة (551هـ)، روت بالإجازة عن كبار العلماء في وقتها، وروى عنها ابنها الضياء، وحفيدها الفخر علي بن البخاري، وابن أخيها شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي.

روى عنها ابنها الضياء كثيراً من أخبار المقادسة، وتاريخ هجرتهم. توفيت يوم الإثنين، سادس عشر من شعبان سنة 621هـ ودفنت بسفح جبل قاسيون(123).

أخته: رابعة بنت أحمد بن محمد بن قدامة المقدسيّ (أم محمد)
ولدت في جمّاعيل في حدود 544هـ، ورحلت مع أهلها إلى دمشق سنة 551هـ.
وهي زوجة الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، أجاز لها عدد من كبار علماء دمشق وبغداد.
يقول الإمام المنذري(124) في التكملة:"وحدّثت، ولنا منها اجازة..، وكانت حافظة للقرآن الكريم، تعلم النساء، ولها اجتهاد في فعل الخير".
روى عنها الحافظ الضياء، والشمس عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي، والفخر بن البخاري وغيرهم.
قال الحافظ الضياء:"كانت خيِّرة، حافظة لكتاب الله، ما تكاد تنام من الليل إلا قليلاً، صائمة الدهر".
توفيت بعد الموفق بشهر في 16 ذي القعدة 620هـ ودفنت إلى جانب الموفق(125).

وهكذا نجد أن الإمام الموفق - رحمه الله- نشأ في بيت علم ودين وجهاد، منذ أول لحظات حياته. وهذا كان له عظيم الأثر في حياة الإمام الموفق.



المبحث الرابع
ذريته:
تزوج الموفق – رحمه الله – ببنت عمته مريم بنت أبي بكر عبد الله بن سعد، فولدت له أولاداً، عاش منهم: أبو الفضل محمد، وأبو المجد عيسى، وأبو العز يحيى، وصفية وفاطمة، فمات بنوه جميعاً في حياته، ولم يعقِّب(126) منهم سوى عيسى. وتسرى بجارية، ثم ماتت هي وزوجته بعدها، ثم تسرّى بجارية اُّخرى، وجاءه منها بنت، ثم ماتت البنت، وروّح الجارية، ثم تزوج عزيّة بنت إسماعيل، وتوفيت قبله(127).

فكان من ذرِّية الموفق - رحمه الله-:

ولده: أبو الفضل محمّد :
وُلد في ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وكان شاباُ ظريفاً فقيهاً، تفقه على والده، وسافر إلى بغداد، واشتغل بالخلاف فيها، وسمع الحديث.

وتوفي في جمادى الأولى سنة تسع وسبعين وخمسمائة بهمذان(128)، وقد كّمل ستاً وعشرين سنة – رحمه الله – (129).

ولده: أبو المجد عيسى:
المحدث الفقيه مجد الدين، تفقه وسمع الحديث الكثير بدمشق من جماعة كثيرة من أهلها، ومن الواردين عليها، وسمع بمصر من شيوخها، وحدّث، وولي الخطابة والإمامة بالجامع المظفري بسفح قاسيون.
توفي في الخامس أو السادس من جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة – رحمه الله تعالى – (130).

حفيده: أحمد بن المجد عيسى:
الإمام العالم الحافظ المتقن القدوة الصالح سيف الدين أبو العباس أحمد بن مجد الدين عيسى، ولد سنة 605هـ.
سمع الكثير من جده الموفق ومن علماء دمشق. ورحل الى بغداد فسمع من شيوخها، قال عنه الإمام الذهبي:" كتب العالي والنازل، وجمع وصنّف وكان ثقة حافظاً ذكياً متيقظاً مليح الخط، عارفاً بهذا الشأن، عاملاً بالأثر، صاحب عبادة وإنابة، تام المروءة، أمّاراً بالمعروف، قوّالاً بالحق، ولو طال عمره لساد أهل زمانه علماً وعملاً، ومحاسنه جمة. وألف مجلداً كبيراً في الرد على الحافظ محمد بن طاهر المقدسي(131) بإباحته للسماع ".

كان- رحمه الله- حجةً بصيراً بالحديث ورجاله، وله مصنف في السماع. روى الإمام الذهبي: "أخبرنا أحمد بن محمد المعلم، أخبرنا أحمد بن عيسى الحافظ، أخبرنا محمد بن أبي المعالي الصوفي وغيره، قالوا أخبرنا أبو بكر بن الزاغوني، أخبرنا أبو القاسم ابن البسري، حدثنا أبو طاهر الذهبي، حدثنا البغوي، حدثنا أبو نصر التمّار والعيشي، قالا حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت (البناني) عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات"(132). غريب تفرد به حماد، أخرجه مسلم عن القعنبي عنه، ويرويه حماد أيضاَ عن خاله حميد الطويل عن أنس.
توفي- رحمه الله- في أول شعبان سنة 643هـ(133).

حفيدته: عائشة بنت المجد عيسى(أم أحمد):
الشيخة الصالحة العابدة المسندة أم أحمد، سمعت من أبيها وجدها وغيرهما، وأجيز لها، وتفردت بأجزاءٍ من السيرة، وهي محدثة.
توفيت في تاسع عشر من شعبان سنة 697هـ، ولها من العمر ست وثمانون سنة(134).

المبحث الخامس
بلـــده:
ذكرها ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" باسم "جمَّاعيل" وقال: "هي قرية من جبل نابلس من أرض فلسطين"(135)، ويقول مصطفى مراد الدباغ في كتابه "بلادنا فلسطين": "التي ذكرتها المصادر العربية باسم "جَمّاعيل" وهو خطأ، وصحيحها كما يلفظ أهلها "جَمّاعين" لكثرة ما ظهر فيها وفي جوارها من "جَمّاعين" للعلم(136). والأصوب – والله أعلم- القول الأول أي "جَمّاعيل" لسببين:-
الأول: لأني لم أجد في أي من الكتب القديمة، وخاصة الكتب التي عاصرت آل قدامة حال هجرتهم منها، أو أرخت لهم، من ذكرها باسم " جَمّاعين".
الثاني: لأن الإمام الحافظ ضياء الدين, وهو من "جَمَّاعيل", والذي أرخ لهجرة أهله منها إلى دمشق(137) ذكرها باسم "جَمّاعيل"، ومعظم من ذكر هجرة المقادسة(138) أخذ عنه.

أما اليوم فهي تسمّى "جَمَّاعين"(139) وتتبع إدارياً لمحافظة نابلس. وتعريفاً لها:

المطلب الأول: جَمّاعين تاريخياً
لعل أكبر ما أبرز جَمّاعين تاريخياً هو ما ظهر منها من العلماء والفضلاء، وخاصة منهم "آل قدامة" الذين هاجروا من فلسطين إلى دمشق، أثناء الاحتلال الصليبي لأرض فلسطين من منتصف القرن الخامس الهجري، وحتى نهاية القرن السادس الهجري، وذلك فراراً بدينهم، وخوفاً على أنفسهم من ظلم وقهر الصليبيين وما ارتكبوه من مجازر ومذابح.

وقد كان لآل قدامة بوجهٍ عام, فضل خدمة القرآن الكريم، والحديث، والفقه، خاصة مذهب الحنابلة(140).

كذلك اشتهرت جَمّاعين بأنها كانت مركزاً لقيادة الثورة الفلسطينية في سنة (1834م) ضد الحكم المصري، واشتهر منها "قاسم الأحمد"(141) وابنه "الشيخ محمد" والي مُتَسَلِّمِيَّة نابلس سنة 1831م(142).

ولشهرتها نسبت إليها مجموعة القرى المجاورة وكانت تعرف "بالجماعينيات" وهي تسع وعشرين قرية(143).

المطلب الثاني : جمّاعين جغرافياً
تبلغ مساحة أراضي جمّاعين [ملحق 2 [ حالياً "21000" دونم، ومساحة البناء فيها "2912" دونم، ويحدها من الغرب قرى قيرة وزيتا جماعين. ومن الشمال قرى عوريف ومادما وعصيرة القبلية، ومن الشرق عينابوس، ومن الجنوب مردا(144).




المطلب الثالث : جماعين في الزمن الحاضر
يبلغ عدد سكان جماعين حالياً حوالي "6500" نسمة، وفيها مدرستين للذكور ومدرستين للإناث، وعدد الطلبة حوالي 1950 طالباً وطالبة، وعدد المدرسين 87 مدرساً ومدرِّسة(145).

يوجد في البلدة مسجدين فقط وهما: مسجد جماعين القديم، ومسجد ابن قدامة المقدسي]ملحق [3 والذي انتهى بناؤه حديثاً. وتم اختيار هذا الإسم لربط الماضي بالحاضر، ولتبقى أنفاس السلف تتردد في صدور الخلف. وعلى مدخله توجد ترجمة محفورة في الحجر للشيخ موفق الدين المقدسي. ويوجد في البلدة ثلاث مزارات وهي: المزار(146)، وعلم الهدى]ملحق 4[ ولم يتبق منه سوى آثار قليلة، ومقام الشيخ محمد الزيتاوي]ملحق 5[(147)، كما وتوجد آثار بيت الشيخ أحمد بن قدامة المقدسي- رحمه الله-]ملحق 1[.

وقد أعدت لجنة زكاة وصدقات جمّاعين(148)، الدراسات والمخططات اللازمة لمشروع ضخم باسم "مركز الإمام ابن قدامة المقدسي الجمّاعيلي"]ملحق 6[ والذي تقدر مساحته الإجمالية (3808 م2) ومكون من أربع طبقات وفيه: مسجد، ودار لتحفيظ القرآن الكريم، ومكتبة عامة، ومركزاً صحياً، وروضة أطفال. وهي تسعى للحصول على التمويل اللازم لهذا المشروع الخيِّر. كما وجعلت اللجنة من أهدافها إقامة كلية شرعية تحمل اسم " ابن قدامة " لتدريس العلوم الشرعية(149).

وتشتهر جمّاعين حالياً بحجر جمّاعين الأبيض، والذي يعد أفضل أنواع الحجر في فلسطين، ويطلق عليه (الذهب الأبيض) لما يشكله من أهمية للإقتصاد الفلسطيني. كما تشتهر بإنتاج زيت الزيتون الذي يُعد من أجواد أنواع الزيت في بلادنا.

المطلب الرابع: علماء جمّاعين
لقد اشتهرت جمّاعين بما ظهر منها من علماء، وخاصةً من أولئك الذين هاجروا إبّان الحرب الصليبية في منتصف القرن السادس الهجري، ومن لحق بهم إلى دمشق. وقد ساهمت عدة عوامل في بروز هؤلاء العلماء منها:-
1- الاستقرار السياسي الذي كانت تحياه دمشق، حيث كان يحكمها الملك العادل نور الدين محمود زنكي – رحمه الله -، والذي عرف عنه رعايته للعلم وتوقيره للعلماء.
2- الأصول العلمية للمهاجرين، فقد كان شيخهم وكبيرهم أحمد بن قدامة خطيب جمّاعين وعالمها، وكان فقيهاً محدثاً، ومن بعده ولده الشيخ أبو عمر الذي كان أيضاً عالماً محدثاً زاهداً.
3- ما كانت تزخر به دمشق من العلماء والفقهاء، سواء القائمين فيها أو الوافدين عليها طلباً للعلم بشتى فروعه.
4- بناء المدرسة العمرية، وجامع الحنابلة في الصالحيّة على جبل قاسيون، حيث أقام المهاجرون من فلسطين.

كل هذه العوامل ساهمت في توفير المناخ المناسب لتلقي العلم وطلبه، حتى أصبح ذلك ممارسة يومية لأولئك المهاجرين. فهم إما خطيب بجامع الحنابلة، أو مدرس بمدرسة الشيخ أبو عمر، أو متعلم فيهما. لذلك كان من الصعب حصر أسماء عشرات العلماء والعالمات الذين خرجتهم الصالحيّة، من المهاجرين من جمّاعين في هذا البحث، ولكننا نجد لزاماً علينا ذكر بعضهم:

1- الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي المقدسيّ الجمّاعيلي (ت600هـ).
ولد بجمّاعين سنة 541هـ، وهو أكبر من الإمام الموفق بأربعة أشهر. قدم مع أهله إلى مسجد أبي صالح بدمشق سنة 551هـ، قرأ القرآن وسمع الحديث، سافر هو والإمام الموفق أول سنة 561هـ إلى بغداد، وسمع الكثير بدمشق ومصر وبيت المقدس وغيرها، وكان ميله إلى الحديث.

كان أحد أكابر أهل الحديث وأعيان حفاظهم، ولا يكاد يُسأل عن حديث إلا ذكره وبيّنه، وذكر صحته من سقمه، ولا عن رجل إلا قال هو فلان بن فلان وبيّن نسبه. وكان إماماً، حافظاً، متقناً، مصنفاً، ثقة، ورعاً، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا تأخذه في الله لومة لائم.

ترك مؤلفات عظيمة منها "المصباح في عيون الأحاديث" وهو مشتمل على أحاديث الصحيحين، مستخرج عليهما بأسانيده، وكتاب "نهاية المراد في السنة" وكتاب "الكمال في معرفة الرجال" وغيرها الكثير. توفي رحمه الله بمصر يوم الأثنين 13 ربيع الأول سنة 600هـ(150).

2- الشيخ العماد أبو إسحق إبراهيم بن عبد الواحد الجمّاعيلي المقدسيّ(ت614هـ).
وُلِد بجمّاعين سنة 543هـ، وهاجر مع أهله إلى مسجد أبي صالح سنة 551هـ. طلب العلم وارتحل له، سمع بدمشق من علمائها، ثم ارتحل إلى بغداد والموصل فسمع من شيوخهما. حفظ القرآن واشتغل له. فكان – رحمه الله – عالماً بالقرآن والنحو والفرائض وغير ذلك من العلوم. ألقى الدروس وناظر وقرأ القرآن بالقراءات، واشتغل بإقراء القرآن وتعليم الفقه. وكان يدرس بجامع دمشق من الفجر إلى العشاء لا يخرج إلا لضرورة. يقول عنه الموفق – رحمه الله- :" كان من خيار أصحابنا وأعظمهم نفعاً، وأشدهم ورعاً، وأكثرهم صبراً على التعليم، داعياً إلى السنة، يعلم الفقراء ويقرؤهم ويطعمهم ويتواضع لهم، من أكثر الناس تواضعاً وخوفاً من الله".
له مصنفات منها كتاب "الفروق في المسائل الفقهية". توفي – رحمه الله- ليلة الخميس 17 ذي القعدة سنة 614هـ(151).

3- الإمام شهاب الدين محمد بن خلف بن راجح الجمّاعيليّ المقدسي(ت618هـ).
الشيخ الإمام العالم الفقيه المناظر أبو عبد الله شهاب الدين. ولد بجمّاعين سنة 550هـ. ونشأ بدير الحنابلة بقاسيون. سمع بدمشق وبغداد ومصر.

كان إماماً محدثاً، فقيهاً، عابداً، دائم الذكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، أوحد زمانه في علم المناظرة. زار بلده جمّاعين، وكان أهلها يجلونه ويعظمونه.
توفي- رحمه الله- في 29 صفر سنة 618هـ.(152).

4- الإمام ضياء الدين محمد بن عبد الواحد بن أحمد الجمّاعيلي المقدسي(ت643هـ).
هو الإمام الحافظ القدوة المحقق المجوِّد الحجّة، بقية السلف ضياء الدين أبو عبد الله السعدي الجمّاعيلي، محدث الشّام. ولد سنة 569هـ بدير الحنابلة.

ارتحل كثيراً طلباً للعلم وسمع، من خلق كثير من العلماء، فسمع وجمع بدمشق ومصر والموصل وبغداد وطاف بلاد المشرق.

وكان عظيم الشأن في الحفظ ومعرفة الرجال، والمرجع في وقته في علم صحيح الحديث وسقيمه، وفي أحوال الرجال.
كان تقناً حافظاَ ثبتاَ صدوقاً حجة. وكان على علمه تقياً زاهداً عابداً، يحتاط في أكل الحلال، وجاهد في سبيل الله، وزاد على ذلك نزاهته وعفته وحسن طريقته في طلب العلم.

زادت مؤلفاته عن الأربعين، منها: كتاب الأحكام، فضائل الأعمال والأحاديث المختارة، فضائل الشام، فضائل بيت المقدس، عوالي الأسانيد، وغيرها. وهو الذي أرّخ لهجرة المقادسة إلى دمشق، وترجم لكبار علمائهم. بنى مدرسة الحديث الضيائية بسفح جبل قاسيون، وقد وقف لها كتباً كثيرة مما جمعه وكتبه خلال رحلاته وجعلها نواة لمكتبة المدرسة الضيائية.وروى عنه خلق كثير يصعب حصرهم.
توفي - رحمه الله – يوم الاثنين 28 من جمادى الآخرة سنة 643هـ. ودفن بسفح قاسيون(153).

5- الشيخ عبد الحميد بن عبد الهادي بن قدامة الجمّاعيلي المقدسيّ.(ت658هـ).
العالم المقرىء الفقيه المسند المعمِّر، عماد الدين أبو محمد، ولد بجمّاعيل سنة 573هـ وقدم دمشق صبياً، فسمع من علمائها. كان شيخاً حسناً فاضلاً جيد التعليم، له رواية للحديث حدث عنه أولاده وغيرهم وسُمِّع عليه.
توفي رحمه الله- في ربيع الأول سنة 658هـ(154).

6- الشيخ محمد بن عبد الهادي بن قدامة الجماعّيلي المقدسي (ت658هـ).
الفقيه المقرىء المعمر المسند شمس الدين أبو عبد الله المقدسي، أخو الشيخ العماد عبد الحميد، قدم دمشق شاباً فسمع بها، فأخذ الحديث، وحدّث بصحيح مسلم بجبل قاسيون سنة 652هـ. وأخذ الحديث عنه الكثيرون.

كان –رحمه الله- ديناً، خيراً، كثير التلاوة، حافظاً لكتاب الله، متعففاً صالحاً، يؤم الناس بقرية الساوية(155).
أخذه التتار بالساوية وعذبوه حتى استشهد ، وله 89 سنة، وذلك في جمادى الأولى سنة 658هـ(156).

7- الشيخ الإمام عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي(ت682هـ).
شيخ الإسلام وبقية الأعلام شمس الدين أبو محمد بن أبي عمر المقدسي. ولد في المحرم سنة 597هـ بدير المقادسة بسفح قاسيون. سمع من أبيه وعمه الموفق وغيرهم. اهتم بالحديث، وأخذ الفقه عن عمّه الموفق، وشرح كتابه " المقنع" في عشرة مجلدات ضخمة، ودرّس وأفتى، واشتغل بالتعليم زماناً طويلاً، وانتفع الناس بعلمه، وانتهت اليه رئاسة المذهب الحنبلي في عصره، بل رئاسة العلم في زمانه. قال عنه الذهبي في ترجمة شيوخه: " شيخ الحنابلة، بل شيخ الإسلام، وفقيه الشام، وقدوة العبّاد، وفريد وقته".

وهو خطيب جامع الحنابلة في وقته. ولي القضاء مدة تزيد عن 12 عاماً على كره منه، ثم عزل نفسه في آخر عمره، ولم يتناول عليه أجراً. وجاهد في سبيل الله وحضر الفتوحات.

كان –رحمه الله- رقيق القلب، كثير الذكر لله والقيام بالليل، متواضعاً عند العامة مترفعاً عن الملوك، مجلسه عامر بالفقهاء والمحدثين وأهل الدين، ظل مواظباً على العبادة والتدريس والتصنيف حتى توفي.

كان أوحد زمانه في تعدد الفضائل، والتفرد بالمحامد، ولم يكن له نظير في خُلُقه وما هو عليه. روى عنه خلق كثير من الأئمة والحفاظ وكبار العلماء.
توفي – رحمه الله- في ربيع الآخر سنة 682هـ، ودفن بسفح قاسيون. كانت جنازته مشهورة حضرها خلق كثير لم يسمع بمثلها من دهر طويل(157).

8- الشيخ عبيد الله بن محمد بن أحمد بن عبيد الله بن قدامة المقدسي (ت684هـ).
شمس الدين المقدسي، ولد سنة 635هـ. سمع وتفقه وبرع في المذهب الحنبلي وأفتى ودرَّس. كان من الفضلاء الصلحاء الأخيار، كثير الكرم والتواضع، والسعي في قضاء حوائج الناس.
جاء إلى جمّاعين وتوفي بها يوم الإثنين 18 شعبان سنة 684هـ. ودفن بها(158).

9- الشيخ أيوب بن يوسف بن محمد بن عبد الملك بن قدامة الجمّاعيلي(ت699هـ).
وهو الشيخ نجم الدين، أبو عبد الله الجمّاعيلي، وهو خطيب جمّاعين، سمع وتفقه في فلسطين ودمشق، ورُوي عنه، وكان فقيهاً مباركاً.
توفي- رحمه الله- آخر سنة 699هـ(159).

ولقد زار الشيخ عبد الغني النابلسي(160) جمّاعين سنة 1101هـ وذكرها في رحلته الشهيرة المسماة "الحضرة الأنسيّة في الرحلة القدسية". والذي دعاه إلى زيارتها الشيخ "عبد الحق الزيتاوي العمري" يقول: "فتقدمنا إلى تلك القرية المأنوسة"..، وقلت في ذلك من النظام على سبيل الارتجال والانسجام:-

بقرية جمّاعيـن جئنـا جمـاعةً من الخير جمّاعين كل كمال
كأنّ وجوه القوم في ساعة النّدى بدور تمـامٍ في ظلامِ ليـالِ

ويقول: " وقد زرنا في تلك القرية ديار أجدادنا بني قدامة، الذين هاجروا من هاتيك البلاد لما استولت عليهم الظلامة وأخذ الكفار بيت المقدس،... فنظرنا إلى تلك الديار(161) ولم يبق منها إلا الآثار، فوجدنا آثار الصالحين، ورأينا أماكن شريفة وقد لمحتها حوادث الأوقات والأحايين، فأنشأنا من النظم في ذلك المقام حيث قلنا:-

بجمّاعيـن دار بنـي قدامـة سقى جنباتها صوبُ الغمامة
رسوم منازلٍ جارت عليــها يـدُ الحَدَثان ناصبةً حسامه
وغيّـرت الدّهـور سنا رباها وقد لحت الملاحة والشهامة
وقفت أسـائل الأطلال عنـهم فلم ترجع لسـائلها كلامـه
ألا يا دار أين ذوو المعالــي وأين ذوو المفاخر والكرامة
وأين ذوو العلـوم ومن تساموا بأنواع الهـدى والإسـتقامة
هنا سكنوا وقـد سـاروا لأمرٍ به من لم يَسِـرْ حلّت ندامة
وجمّاعيــن عنـا مزقتهـم فلم تجمع لهم حتى القيامـة
وهم بالصالحيّـة من دمشـقٍ جدودي يعرفون بنـي قدامه
عليهـم رحمة الرحمـن آلت صلاة الله تاليــةًَ سلامـة
مدى الأيام ما النّسـمات هبت على روضٍ وغردت الحمامة

ثم يقول: "فزرنا في تلك القرية الشيخ محمد الزيتاوي(162)، أخا الشيخ عبد الحق ثم سرنا على بركة الله تعالى"( م163).


الفصل الثالث

نشأته العلمية ورحلاته وجهاده

- المبحث الأول: طلبه للعلم على أهله

- المبحث الثاني: طلبه للعلم على علماء دمشق

- المبحث الثالث: رحلاته في طلب العلم

- المبحث الرابع: شيوخه

- المبحث الخامس: جهاده


الفصل الثالث
نشأته العلمية ورحلاته وجهاده

نشأ الإمام الموفق في أسرة مباركة، وجد فيها العلم والزهد والتقى والورع، كان يسمع أبيه الشيخ أحمد وهو يخطب الجُمُعات، ويعطي الدروس، ويعلم القرآن، والحديث النبوي الشريف. ويرى الناس يحضرون إليه من جمّاعين والقرى المجاورة لها، لسماع خطبه ودروسه، وليتعلموا القرآن والحديث على يديه.

كما كان يسمع والده وهو يحرض النّاس للتمرد على الصليبيين، ورفض العمل عندهم، ويحث النّاس على طلب العلم والإهتمام بتحصيله.

وعندما بلغ العاشرة، عايش الهجرة وقسوتها، من ظلم الصليبين وقهرهم، من جمّاعين إلى دمشق، والاستقرار في مسجد أبي صالح، ووفاة الكثيرين من أهله وخاصة الأطفال بسبب المرض.

في الصالحية استقر به المقام مع أهله بعد نحو ثلاث سنين، حيث الطمأنينة والسكينة والخير والبركة، فرأى أهله كيف يعيشون ليلهم ونهارهم، عبادة وعلماً وجهاداً في سبيل الله، تآلفاً وتراحماً وسعياً في قضاء حوائج الناس.

المبحث الأول
طلبه للعلم على أهله:
نشأ الإمام الموفق في أسرة أشبه ما تكون حياتهم بحياة الصحابة والتابعين وكبار الصالحين، وعلمهم أقرب ما يكون من علم الفقهاء والمجتهدين. لذلك كان من الطبيعي أن يسير الإمام الموفق على نهج هذه الأسرة، وأن ينشأ على الأخلاق الحسنة، والآداب الرفيعة، والحرص على طلب العلم مع الزهد والورع والتقوى.
اعتنى به أهله، فتلا القرآن الكريم مبكراً ثم حفظه, وحفظ مختصر الخِرَقيّ(164) في الفقه، واشتغل في طلب العلم وهو صغير(165)، فتلقى العلم من والده الشيخ أحمد، الزاهد الصالح، مقرىء القرآن، المحدِّث بصحيح مسلم. فتعلم منه القرآن الكريم وحفظه، وروى عنه الحديث(166) .
كما تلقى العلم من أخيه الشيخ محمد أبي عمر، الذي كان يكبره بثلاثة عشر عاماً. وكان عالماً راوياً للحديث، فقيهاً، تالياً للقرآن، جمع الله له معرفة الفقه والفرائض والنحو, مع الزهد والعمل وقضاء حوائج الناس. وكان رحمه الله يحفظ مختصر الخرقي ويكتبه من حفظه.
روى عنه الموفق وتعلم منه(167)، وكان يصحب الإمام الموفق إلى الشيخ ابن أبي عصرون(168) لسماع دروسه في الخلاف(169).
ولم تكن صلة الموفق بأخيه الشيخ أبي عمر للعلم فحسب، بل إن الإمام الموفق كان يحمل لأخيه كل تقدير وتبجيل ويقول عنه: "أخي وشيخنا، ربانا وعلمنا..."(170).

المبحث الثاني
طلبه للعلم على علماء دمشق:
بدأ الشيخ الموفق يتوسع في طلبه للعلم، بعد سماعه من أبيه ومن أخيه الشيخ أبي عمر، وصار يتنقل في حلقات العلم في دمشق، يأخذ من علمائها وينهل من معينها، فسمع من الإمام ابن أبي عصرون مسائل في الخلاف بين الفقهاء، وذلك بعد قدومهم إلى الصالحية بفترة وجيزة(171).

وممن سمع منهم بدمشق:-
الشيخ الجليل المسند أبو المكارم عبد الواحد بن محمد بن هلال الأزدي (489-565هـ). وكان عدلاً صالحاً تفرد ببعض مروياته. وحدّث عنه الشيخ أبو عمر, والشيخ عبد الغني وغيرهم(172).

الشيخ المسند العالم أبو الفرج يحيى بن محمود بن سعد الثقفي الأصبهاني(514-584هـ). طلب الحديث واجتهد وارتحل ناشراً لرواياته. حدّث عنه الشيخ الموفق والشيخ أبو عمر وأولادهما، والشيخ الضياء والشيخ العماد وغيرهم(173).

الشيخ العالم المحدث مسند الشام أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الخشوعي الأنماطي(510-598هـ).
روى الكثير وتفرد بروايات، وتزاحم عليه الطلبة، كان عالي الإسناد مع تواضع وتدين ومروءة، حدث عنه خلق كثير(174).

الشيخ الإمام شيخ الحنابلة وجيه الدين أبو المعالي أسعد بن المُنْجَى بن بركات بن المؤمل التنوخي المعرِّيّ (519-606هـ). تفقه على الشيخ عبد القادر الجيلاني، وسمع الحديث، وله مؤلفات. ولي قضاء حرّان في عهد نور الدين زنكي. روى عنه أيضاً، الضياء، وعبد الرحمن بن أبي عمر، والفخر بن البخاري وغيرهم(175).

الشيخ الإمام المفتي شيخ الحنفية وشيخ العربية وشيخ القراءات ومسند الشام تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي البغدادي(520-613هـ). حفظ القرآن وهو صغير وقرأه بالروايات العشر. انتهى إليه علو الإسناد في القراءات والحديث. برع في الفقه والنحو وكان أعلم زمانه فيه، وأفتى ودرّس وصنّف وارتحل في طلب العلم ثم استوطن دمشق. سمع منه خلق كثير وحدثوا عنه الحديث، وكان صحيح السماع، ثقة في نقله.
قال عنه الموفق: "كان إماماً في القراءة(176) إماماً في العربية، وانتهى إليه علو الإسناد. ووصّى الكندي الشيخ الموفق بالصلاة عليه عند موته، والوقوف على دفنه(177).
وغير هؤلاء سيأتي ذكرهم في شيوخ الموفق رحمهم الله جميعاً.

المبحث الثالث:
رحلاته في طلب العلم:
الرحلة في طلب العلم سنّة متبعة عند العلماء، بدأت في جيل الصحابة، وتتابعت في علماء التابعين ومن بعدهم. فلم يكتف كبار العلماء, وأصحاب الهمم العالية أن يأخذوا العلم من علماء بلادهم، بل تجاوزوا بلادهم إلى بلاد بعيده. والرحلة في طلب العلم من مزايا الأمة المحمّدية وخصائصها. وعلماء المقادسة الذين سكنوا الصالحية نشأوا طلاباً للعلم، يسعون من أجل تحصيله، أمثال الشيخ قدامة، وولده الشيخ محمد، وحفيده الشيخ أحمد والد الموفق، رحمهم الله.

بقي الموفق عشر سنوات بعد نزولهم الصالحية، وهو يتلقى العلم، ويأخذ من علماء دمشق، حتى بلغ عشرين سنة، فعزم على الرحلة طلباً لمزيد من العلم.


المطلب الأول: رحلته إلى بغداد:-
كانت وجهة الإمام الموفق الأولى، "بغداد" عاصمة العلم والخلافة، قلما أن تجد عالماً أو طالب علم في ذلك الزمن، إلا وزار بغداد وأقام فيها أو مكث بها مدة، يتعلم من شيوخها ويجلس في مجالسهم.

في أوائل سنة 561هـ، توجه الإمام الموفق إلى بغداد، وكان بصحبته ابن خالته الحافظ عبد الغني المقدسيّ (178).

كانت وجهة الموفق والحافظ عبد الغني، شيخ العلماء في زمانه الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو أيضاً إمام الحنابلة وشيخهم، فنزلا في مدرسة الشيخ عبد القادر(179) وأدركا من حياته خمسين يوماً، فأخذا عنه من الفقه، وشرعا يقرءان عليه من مختصر "الخِرَقي".

ثم انتقلا إلى الشيخ أبي الفرج بن الجوزيّ(180) وأقاما عنده مدة، وأخذا منه الحديث والفقه وغيرها. ثم انتقلا الى رباط الشيخ محمود النعّال(181)، ليأخذا العلم من أبي الفتح بن المَنِّي(182) شيخ الحنابلة(183).

قرأ الإمام الموفق على الشيخ أبي الفتح بن المَنِّي، المذهب الحنبلي، والخلاف والأصول حتى برع في ذلك(184)، كذلك قرأ عليه القرآن بقراءة أبي عمرو بن العلاء (185).

وممن تتلمذ عليهم الإمام الموفق:-

الإمام مقرىء العراق أبو الحسن علي بن عساكر بن المرحب البطائحي الضرير(490-572هـ) تلا بالقراءات، وكان عالماً باللغة العربية. سمع منه الإمام الموفق في الحديث والأصول(186)، وقرأ عليه القرآن الكريم بقراءة نافع(187).

الشيخ الجليل العالم الصدوق مسند العراق أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد البغدادي الشهير بإبن البَطِّي(477-564هـ) قال عنه الموفق: " هو شيخنا وشيخ أهل بغداد في وقته". أخذ الموفق منه الحديث وحدّث عنه(188).
الشيخ الجليل مسند بغداد أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن هلال الدقّاق (471-562) قال عنه الموفق: "هو فيما أظن أقدم مشايخنا سماعاً". كان صدوقاً صحيح السماع سمع منه الموفق الحديث وروى عنه(189).

الشيخ الجليل الثقة المسند أبو بكر أحمد بن المقرب بن الحسين الكرخي (ت563هـ) تلا بالقراءات السبع وتفقه؛ وكان صحيح السماع. حدّث عنه الموفق(190) وغيره.

وقد أخذ العلم وتفقه على كثير من العلماء، غير من ذكرنا، سنوردهم عند الحديث عن شيوخه.

مكث الشيخ الموفق في بغداد نحو أربع سنين، يأخذ من علمائها وفقهائها ومحدثيها، فأتقن الفقه والحديث والخلاف(191).

ثم عاد إلى دمشق هو والحافظ عبد الغني.

المطلب الثاني: رحلته الثانية إلى بغداد:-
ارتحل الشيخ الموفق إلى بغداد مرة ثانية سنة 567هـ وصحبه في هذه الرحلة الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد(192)، وأقاما سنة(193). أخذ فيها من شيخه أبي الفتح ابن المَنّي.

ومن مسندة العراق فخر النساء شهدة بنت أحمد بن الفرج الدينوري (ت574هـ). سمع منها الموفق وحدث عنها وقال: "انتهى اليها اسناد بغداد، وعمّرت حتى ألحقت الصغار بالكبار"(194).

ومن فخر النساء خديجة بنت أحمد بن الحسن النهروانية (ت570هـ) وقد سمع منها الموفق والشيخ العماد الحديث(195). وغيرهم من العلماء.

ثم لحق به أخوه عبيد الله، وكان حَدَثاً، فضيق عليه فرجع به إلى دمشق(196).
المطلب الثالث: رحلته إلى مكة ثم إلى بغداد:-
وفي سنة 574هـ حجّ الموفق، وسمع في مكة المكرمة من شيخها المحدث الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين الطبّاخ (ت575هـ) وكان إمام الحنابلة بالحرم، وحافظ مكة في زمانه(197).

وتوجه من مكة المكرمة إلى بغداد, وأقام بها سنة, سمع فيها دروس ابن المَنّي خاصة. ثم رجع الى دمشق.

المبحث الرابع
شيوخـه:
كان الموفق –رحمه الله- حريصاً على طلب العلم، يسعى إليه ويستمع للعلماء، وله مشيخة يروي فيها أسماء شيوخه(198)، وهذه أسماء بعضٍ من أبرز شيوخ الإمام الموفّق، غير من تمّ ذكرهم:-
شيوخه في دمشق:-
- أبو تميم سلمان بن علي بن عبد الرحمن الرحبي، (ت569هـ)(199)
- أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن صابر السلمي (499-576هـ)(200).
- المُسْند أبو طالب الخضر بن هبة الله بن طاووس الدمشقي (ت578هـ)(201).
- أبو المجد الفضل بن حسين بن إبراهيم البانياسي (ت581هـ)(202).
- أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد صدقة الحَرّانيّ "ابن الوحش" (ت584هـ)(203).
- أبو محمد عبد الرحمن بن علي بن المسلم اللّخميّ الشافعي (499-587هـ)(204).
- ابو محمد المُكرَّم بن هبة الله بن المكرم البغدادي (537-589هـ)(205) مَحدِّث مُسند.
- الشيخ الإمام المحدث الفقيه ضياء الدين أبو أحمد عبد الوهاب بن علي بن سكينة البغدادي الشافعي (519-607هـ).
- أبو العلاء نجم الدين بن عبد الوهاب بن عبد الواحد الشيرازي (498-586هـ)(206) شيخ الحنابلة.
- أبو العباس أحمد بن الحسين بن أحمد البغدادي(ت58هـ)(207).
- أبو نصير عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي الخيّاط (ت574هـ)(208).
- الإمام قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري الشافعي (491-572هـ)(209)
- الشيخ المسند أبو البركات داود بن أحمد بن ملاعب البغدادي (542-616هـ)(210).
شيوخه في بغداد:-
- الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن الحسن بن عبد الواحد البارزيّ (ت562)(211).
- الشيخ المسند أبو المعالي أحمد بن عبد الغني بن محمد الباجسرائيّ (ت563هـ)(212).
- الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن محمد الطوسي"ابن تاج القراء" (ت563هـ)(213).
- الشيخ المحدِّث أبو أحمد معمّر بن عبد الواحد بن الفاخر القرشيّ (494-564هـ)(214)
- الامام المحدِّث أبو طالب المبارك بن علي بن خضير الصَّيرفيّ (483-562هـ)(215).
- الشيخ أبو المكارم المبارك بن محمد بن المعمر الباذرائي (ت567هـ)(216).
- الشيخ المحدِّث أبو بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن النّقور (483-565هـ)(217).
- الشيخ المسند أبو زرعة طاهر بن محمد بن الشيباني المقدسي (481-566هـ)(218).
- الشيخ المسند أبو القاسم يحيى بن ثابت بن بُنْدار البقّال(ت566هـ) حدّث بالموطأ(219).
- الشيخ أبو علي أحمد بن محمد بن أحمد الرحبي (ت567هـ)(220).
- الشيخ المحدث النحويّ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الخشّاب (492-567هـ)(221).
- الشيخ المحدث مسند أصبهان أبو المطهر القاسم بن الفضل بن عبد الواحد الصيدلاني (ت567هـ) روى عنه الشيخ الموفق بالإجازة(222).
- الشيخ المسند أبو الحسين عبد الحق بن عبد الخالق البغدادي (491-575هـ)(223).
- الإمام محدث بغداد أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع الجيلي (520-565هـ) قال عنه الموفق: "إمام ثقة حافظ، إمام في السنة"(224).
- الإمام الحافظ أبو الخير عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن حمدان الأصبهاني (500-568هـ)(225).
- الشيخ أبو أحمد أسعد بن بلدرك بن أبي اللقاء الجبريلي (470-574هـ)(226).
- الشيخ الجليل أبو المكارم محمد بن أحمد الخزاعي "الطاهري" (ت568هـ)(227).
- الفقيه أبو حنيفة محمد بن عبد الله بن علي الخطيبي الحنفي (ت571هـ)(228).
- الشيخ أبو شاكر يحيى بن يوسف السقلطوني "ابن بالان" (ت573هـ)(229).
- الشيخ المسند أبو الفتح عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل الدّبّاس (ت581هـ)(230).
- الشيخ المحدِّث الزاهد أبو العز عبد المغيث بن زهير البغدادي (500-583هـ)(231).
- الشريف أبو المناقب حيدرة بن عمر الزيديّ العلوي (ت563هـ)(232).
- الشيخ أبو الحسن سعد الله بن نصر بن سعيد الدجاجي (480-564هـ)(233)
- الشيخ أبو محمد عبد الله بن منصور الموصلي (ت567هـ)(234).
- الشيخ الثقة أبو المعالي عمر بن بُنيمان البغدادي (ت563هـ)(235)
- الشيخ أبو القاسم يحيى بن أسعد بن يحيى بن بوش البغدادي (ت593هـ)(2536).
- الامام المحدث حمّاد بن هبة الله بن حماد بن الفضل الحرّاني (512-589هـ)(237)
- الشيخ أبو المظفّر هبة الله بن عبد الله بن أحمد السَمَرقنْدي (ت563هـ)(238).

- وقد أخذ الإمام الموفق في الموصل من الشيخ الإمام الفقيه المحدث، مسند العصر، خطيب الموصل أبو الفضل عبد الله بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي (487-578هـ) روى عنه الإمام الموفق وقال: "كان شيخاً حسناً، لم نر منه إلا الخير"(239).
- وأما في مكة المكرمة، فقد سمع من شيخها الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين الطبّاخ.
وأما شيخاته:
فقد تلقى الحديث والفقه عنهن في بغداد ومنهنّ:-
- مسندة العراق فخر النساء شُهْدة بنت أحمد بن الفرج الدينوري .
- الشيخة الصالحة فخر النساء خديجة بنت أحمد بن الحسن النهروانية.
- الشيخة فاطمة بنت محمد بن علي البزّازة "نفيسة البزّازة" (ت563هـ)(240).
- الشيخة أم عتب تجني بنت عبد الله الوهبانية (ت575هـ)(241).

وبدراسة هذه المرحلة عند الإمام الموفق- رحمه الله- نجد ما يلي:-
1- رغم أن الإمام الموفق كان حنبليّ المذهب، إلا أنه تلقى العلم وأخذ عن كبار علماء المذاهب الأخرى، أمثال الشيخ ابن أبي عصرون وعبد الرحمن بن علي اللخمي وابن سكينة وأبو الفضل الشهرزوري وغيرهم من الشافعية وأبو اليمن الكندي ومحمد بن عبد الله الخطيبي من الحنفية وأبو المناقب حيدرة بن عمر من الزيديّة.
2- كان الإمام الموفق يحرص على النزول عند كبار العلماء ليأخذ منهم أمثال: الشيخ عبد القادر الجيلاني وأبي الفرج بن الجوزيّ وأبي الفتح بن المنِّي، ثم يأخذ بعد ذلك من غيرهم.
3- كان الإمام الموفق يتلقى من العلماء في كافة العلوم، ولم يأخذ جانباً واحداً فقط، فنجد أنه قد أخذ الفقه والأصول والخلاف واللغة والحديث والقراءات وغيرها، ممن أتقنوا فنونها.
4- نجد أن الإمام الموفق يحرص على أخذ العلم من الجميع: من الرجال والنساء، وممّن هم أكبر منه وهم معظم شيوخه أو أصغر منه أمثال داود بن ملاعب، وسبط ابن الجوزيّ، الذي كان الموفق يحضر مجالسه في جامع دمشق وقاسيون(242)، ومن كبار العلماء وصغارهم.
5- أن بغداد كانت بحق عاصمة العلم في ذلك الوقت، فنجد أن علماء المسلمين من شتى البقاع، يأتونها ليشربوا من معين علمائها، وهذا الذي جعل الإمام الموفق يكثر من زيارتها والإقامة بها.

المبحث الخامس
جهاد الموفق في سبيل الله:
لقد مرّ- فيما سبق- أن الشيخ أحمد بن قدامة، كان يبث في دروسه وخطبه فكرة الجهاد ومقاومة الصليبين، وعدم الإذعان لهم، والامتناع عن دفع الجزية. مما دفع الفرنجة إلى التخطيط لقتله، فكانت الهجرة إلى دمشق، حيث السلطان نور الدين زنكي يقود الأمة ضد الصليبيين.

وكان السلطان يزورهم ليطمئن عن أحوالهم، وليقدم العون لهم. في هذه البيئة نشأ الإمام الموفق، حيث الاحتلال الصليبيّ جاثم يحتل أرض فلسطين وغيرها من جهة، وقادة الأمة يقودون معركة تطهير الأرض من الصليبيين من جهة أخرى.

فكان الإمام الموفق – رحمه الله – رغم انشغاله بالعلم لا ينقطع عن الجهاد. يقول ابن كثير عن الشيخ أبي عمر والإمام الموفق والحافظ عبد الغني والشيخ العماد: "كانوا لا ينقطعون عن غزاة، يخرج فيها الملك صلاح الدين إلى بلاد الفرنج، وقد حضروا معه فتح القدس والسواحل وغيرها"(243) وكانت لهم خيمة يستريحون فيها(244).
ويقول البهاء عبد الرحمن(245)عن الشيخ الموفق: "صحبناه في الغزاة، فكان يمازحنا وينبسط معنا، يقصد بذلك طيب قلوبنا"(246).

ويقول عنه أيضاً: "كان فيه من الشجاعة، أنه كان يتقدم إلى العدو. ولقد أصابه على القدس جرحٌ في كفه". ويقول عنه الضياء المقدسيّ: "ولقد رأيت أنا منه على قلعة صفد، وكنا نرامي الكفار، فكان هو– أي الشيخ الموفق- يجعل النّشابة في القوس، ويرى الكافر أنه يرميه فيتترس منه، يفعل ذلك غير مرة، ولا يرمي حتى تمكنه فرصة"(247).

يذكر الحافظ ضياء الدين نصوصاً تظهر اشتراكه في الجهاد في عسقلان(248) فيقول: "سمعت أحمد بن يونس بن حسن يقول: كنا على عسقلان وقت أن كان صلاح الدين يحاصرها...، وخرجت مع الشيخ أبي عمر، والموفق ومشينا على الرمل، حتى جئنا شجرة رمّان قد رمت بفروعها على الأرض فدخلا تحتها ولم يغفلا"(249).

نستنتج أن الإمام الموفق كان حريصاً على الجهاد والمشاركة فيه، يشجع الجنود ويسري عنهم بالملاطفة والممازحة، يتميز بالشجاعة والحنكة، يحرص على الطاعة والتعبد، فقد كان – رحمه الله – عالماً عاملاً مجاهداً.


الفصل الرابع

صفاته ومكانته العلمية وعلومه وآثاره

- المبحث الأول: صفات الإمام الموفق.

- المبحث الثاني: ثناء العلماء عليه، وألقابه.

- المبحث الثالث: مكانته العلمية.

- المبحث الرابع: تلاميذه.

- المبحث الخامس: مؤلفاته وآثاره.

- المبحث السادس: كراماته.


الفصل الرابع
صفاته ومكانته العلمية وعلومه وآثاره

كان _ بفضل الله تعالى_ لنشأة الإمام الموفق الأسرية والعلمية، وتلقيه العلم، ورحلاته لتحصيله، وجهاده، الأثر الأكبر في صقل شخصيته وتكاملها، والدور الأعظم في المكانة العلمية التي وصل إليها. فأنتجت تلك النشأة والتربية، وطبعاً مع ما توافر للإمام الموفق، من ذكاءٍ حادّ وعزيمةٍ صلبة. هذا الإمام الكبير، الذي كانت له البصمات الواضحة في التاريخ الإسلامي.

المبحث الأول
صفات الإمام الموفق:
قال: الحافظ أبو عبد الله اليونيني(250)عن الإمام الموفق: " كان كاملاً في صورته ومعناه من الحُسْن والإحسان"(251) .

المطلب الأول: صفاته الخِلْقِيّة:-
قال الضياء في سيرة الإمام الموفق وهي من جزئين: "كان تام القامة، أبيض، مشرق الوجه، أدعج العينين، كأن النّور يخرج من وجهه لحسنِه، واسع الجبين، طويل اللِّحية، قائم الأنف، صغير الرأس، لطيف اليدين والقدمين، نحيف الجسم، متَّعه الله بحواسه حتى توفي"(252).

المطلب الثاني: صفاته الخُلُقيّة:-
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل، إن الله يحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" (القبول في الأرض): الحب في قلوب الناس ورضاهم عنه، فتميل القلوب إليه(253).

والإمام الموفق – رحمه الله – كان لا يكاد يراه أحدٌ إلا أحبه، حتى كان كثير من المخالفين له يحبونه، ويصلون خلفه, ويمدحونه مدحاً كثيراً(254).
فقد كان حسن الأخلاق، لا يرى إلا مبتسماً، يحكي الحكايات لجلسائه، ويخدمهم ويمزح معهم، ولا يقول إلا حقاً(255).

يقول ابن كثير عن أخلاقه: "وتبحر في فنون كثيرة، مع زهد وعبادة وورع وحسن أخلاق، وجود وحياء" (256)

وقال سبط ابن الجوزي عنه: "ولم يكن في زمانه – بعد أخيه أبي عمر والعماد- أزهد ولا أورع منه، وكان كثير الحياء، عزوفاً عن الدنيا وأهلها، هيناً، ليناً، متواضعاً، محباً للمساكين، حسن الأخلاق، جواداً، سخياً"(257).

ففي زهده وعزوفه عن الدنيا: يقول الضياء: "كان لا ينافس أهل الدنيا، ولا يكاد أحد يسمعه يشكو، وربما كان أكثر حاجة من غيره، وكان إذا حصل عنده شيء فرقه "(258).
ويقول الحافظ أبو عبد الله اليونيني: "ولقد رأيت من كرم أخلاقه وعزوف نفسه عن الدنيا وأهلها، والمناصب وأربابها، ما عجز عنه كبار الأولياء"(259).
وجاءه مرة الملك العزيز بن العادل(260) يزوره، فصادفه يصلي، فجلس بالقرب منه إلى أن فرغ من صلاته، ثم اجتمع به ولم يتجّوز في صلاته(261).

وأما كرمه وجوده: فقد قال عنه البهاء عبد الرحمن: "فما رأيت أكرم منه، ولا أحسن صحبة"(262). وكان إذا فرغ من صلاة العشاء، يمضي إلى منزله، ويأخذ معه من فقراء الحلقة ما قدره الله تعالى، فيقدم لهم ما تيسر ليأكلوه(263) .

وأما عن تواضعه: فقد كان متواضعاً، يقصد إليه المساكين، ويسمع كلامهم، ويقضي حوائجهم، ويعطيهم(264).

وأما عن حلمه وصبره واحتماله يقول عنه البهاء: "لم أر فيمن خالطت أجمل منه، ولا أكثر احتمالاً. كثر عليه طلبة العلم، وكانوا يثقلون عليه، ولا يُري لأحد ضجراً، وربما تضرر في نفسه ولا يقول لأحدٍ شيئاً.
وقد كان يحضر مجلسه من لا يفهم من طلبة العلم، ويعترض بعضهم بما لا يكون في ذلك الموضوع، فيغتاظ الطلبة، ويقول هو: "ليس هذا من هذا"، فما قال لأحد شيئاً، ولا أوجع قلب أحدٍ بكلمة.
وكان يتعلم عنده بعض الصبية، وكانوا يلعبون في بعض الأوقات، فذكروا له ذلك، فقال:"وهل يصنعون إلا أنهم يلعبون، هم صبيان لا بد لهم من اللعب، وإنكم كنتم مثلهم".
وكانت له جارية تؤذيه بخُلُقها، فما كان يقول لها شيئاً، وكذلك غيرها من نسائه. وكان أولاده يتخاصمون عنده ويتضاربون، وهو لا يتكلم(265).

وأما شجاعته فقد مرّ ذكرها في الحديث عن جهاده.

المطلب الثالث: ذكاؤه ورأيه:-
كان من سداد رأيه – رحمه الله –، أن أخاه الشيخ أبا عمر- مع كونه أكبر منه- لا يكاد يعمل أمراً حتى يشاوره، ويقول الضياء ابن اخته: "ولقد شاورته في أشياء متعددة، فيشير علي بشيء، فأراه بعد كما قال، وكم جرى على أصحابنا من غمِّ وضيق صدر، من جهة السلاطين واختلافهم، فإذا وصل إليه الكلام أشار بالرأي السديد الذي يراه، فيكون في رأيه اليُمْن والبركة(266).

ومن أظرف ما حكي عنه: "أنه كان يجعل في عمامته، ورقة مصرورة فيها رَمْل يجفف به حبر ما يكتبه للناس من الفتاوى والإجازات وغيرها، فاتفق في ليلة أن خطف رجل عمامته، فقال لخاطفها: يا أخي خذ من العمامة الورقة المصرورة بما فيها، ورد العمامة أغطي بها رأسي، فظنَّ الخاطف أن بها فضة ورآها ثقيلة، وكانت العمامة صغيرة وعتيقة، فأخذ الصرّة وردّ العمامة، فخلّص الشيخ عمامته بهذا الوجه اللطيف(267) .

المطلب الرابع: عبادته:-
قال عنه عمر بن الحاجب: "وكان كثير العبادة، دائم التهجد"(268).
وقال ابن كثير يصف عبادته: "...، وكثرة تلاوة وصلاة وصيام وقيام"(269).
وكان يقرأ كل يوم وليلة، سُبُعاً من القرآن. ولا يصلي ركعتي السنة في الغالب إلا في بيته، اتباعاً للسنّة(270).

أما صلاته: فكان – رحمه الله – يصلي صلاة حسنة بخشوع، وحسن ركوع وسجود، وكان يصلي كل ليلة بين العشاءين(271)، ركعتين بسورتي السجدة والملك، وركعتين بسورتي يسن والدخان، لا يكاد يخلُّ بهن. وكان يقوم بالليل وقت السَّحَر يقرأ سُبُع القرآن، وربما رفع صوته بالقراءة، وكان حسن الصوت(272).

المبحث الثاني
ثناء العلماء عليه وألقابه:
حاز الإمام الموفق على تقدير العلماء واحترامهم، فقلما تجد عالماً عرفه وعاصره إلا أثنى عليه، وأحسن في ذكره، وزاد في مدح علمه ودينه وخُلُقه، ولقبه بالألقاب التي تدل على مكانته، ولا تطلق إلا على كبار العلماء والفقهاء والمجتهدين والصالحين.

المطلب الأول: ثناء العلماء عليه:-
قال عنه ابن كثير: "إمام عالم بارع، لم يكن في عصره، بل ولا قبل دهره بمدة، أفقه منه،...، وبرع، وأفتى، وناظر، وتبحر في فنون كثيرة، مع زهد، وعبادة، وورع، وتواضع، وحسن أخلاق، وجود، وحياء، وحسن سمْت، ونور، وبهاء، وكثرة تلاوة، وصلاة، وصيام، وقيام، وطريقة حسنة في اتباع السلف الصالح(273).

وقال عنه ياقوت الحموي: "كان من الصالحين، العلماء العاملين، لم يكن له في زمانه نظير في العلم _ على مذهب الإمام أحمد_ والزهد"(274).

وقال عنه الإمام المحدث الذهبيّ: "أحد الأئمة الأعلام،...، وكان مع تبحره في العلوم، وتفننه، ورعاً، زاهداً، تقياً، ربانياً، عليه هيبة ووقار، وفيه حِلمٌ وتؤدة، وأوقاته مستغرقة للعلم والعمل"، ويقول عنه أيضاً: "وكان، إماماً، حُجّة، متبحراً في العلوم، كبير القدر"(275).

وقال عنه ايضاً: "كان إماماً مفتياً، مصنفاً ذا فنون، بحراً لا ينزف، انتهت اليه معرفة مذهب الإمام أحمد، ولم يكن في وقته أحد أعلم منه ولا افقه منه في سائر المذاهب، وكان زاهداً، عابداً، قانعاً، عارفاً بالله ورسله، له قدم في التقوى راسخ"(276).

ويقول عنه تلميذه أبو شامة المقدسيّ(277): "كان إماماً من أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين في العلم والعمل، صنّف كتباً كثيرة حساناً في الفقه وغيره"(278).

وقال عنه تلميذه ابن النجار(279): "ثقة، نبيلاً، حجة، غزير الفضل، نزهاً، ورعاً، عابداً على قانون السلف، عليه النّور والوقار، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه"(280).

وقال فيه عمر بن الحاجب(281): "هو إمام الأئمة، ومفتي الأمّة، خصه الله بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل، طنّت بذكره الأمصار، وضنّت مثله الأعصار، قد أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية. فأما الحديث فهو سابق فرسانه، وأما الفقه فهو فارس ميدانه، أعرف الناس بالفتيا، وله المؤلفات الغزيرة، وما أظنُّ الزمان يسمح بمثله، متواضع عند الخاصة والعامة، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحلم ووقار. وكان مجلسه عامراً بالفقهاء، والمحدثين، وأهل الخير، وصار في آخر عمره يقصده كل أحد. وكان كثير العبادة والتهجد، لم نر مثله، ولم يرّ مثل نفسه"(282).

وقال عنه الضياء: " وكان رحمه الله إماماً في علم الحديث ومشكلاته، إماماً في الفقه، بل أوحد زمانه فيه، إماماً في علم الخلاف، أوحد زمانه في الفرائض، إماماً في أصول الفقه، إماماً في النحو، إماماً في الحساب، إماماً في النجوم السيّارة والمنازل"(283).

وكان أبو الفتح ابن المَنَّي يطلب من الإمام الموفق البقاء في بغداد: "اسكن هنا فإن بغداد مفتقرةٌ إليك، وأنت تخرج منها ولا تخلف فيها مثلك"(284).

وقال عنه الإمام أبو عبد الله محمد بن محمود الأصبهاني(285): "ما رأى أحدٌ في زمانه مثل الشيخ الموفق"(286).

وقال عنه أبو عمرو بن الصلاح(287): "ما رأيت مثل الشيخ الموفق، كان مؤيداً في فتاويه"(288).

وقال عنه الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي: "شيخنا وسيدنا، الإمام العالم الأوحد، الصدر شيخ الإسلام، موفق الدين، الذي شهد بفضله وعلمه، المؤالف والمخالف، الناصر السنة المحمدية، والسالك الطريقة النبوية الأحمدية، القامع البدعة المُرْدية الرديّة"(289).

وقال عنه الإمام أبو بكر بن غنيمة(290) ببغداد: "ما أعرف أحداً في زماننا أدرك درجة الاجتهاد، إلا الموفق"(291).

وقال عنه الإمام الحافظ أبو عبد الله اليونيني: " أما ما علمته من أحوال شيخنا وسيدنا الموفق، فإنني إلى الآن، ما أعتقد أن شخصاً ممن رأيته، حصل له الكمال في العلوم والصفات الحميدة، التي يحصل بها الكمال سواه. فإنه – رحمه الله- كان كاملاً في صورته ومعناه، من حيث الحسن والإحسان، والحلم والسؤدد، والعلوم المختلفة، والأخلاق الجميلة، والأمور التي ما رأيتها كملت في غيره. وقد رأيت من كرم أخلاقه، وحسن عشرته، ووفور حلمه، وكثرة علمه، وغزير فطنته، وكمال مروءته، وكثرة حيائه، ودوام بِشْره، وعزوف نفسه عن الدنيا وأهلها، والمناصب وأربابها، ما قد عجز عنه كبار الأولياء،...، وكان الله قد جبله على خلق شريف، وأفرغ عليه المكارم إفراغاً، وأسبغ عليه النعم، ولطف به في كل حال"(292).

وقال عنه شيخ الإسلام الإمام أبو العباس ابن تيمية(293): " ما دخل الشام – بعد الأوزاعي(294) – أفقه من الشيخ الموفق"(295). رغم ما بين الأوزاعي والموفق من زمن.

وقد كان الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد، يعظِّم الشيخ الموفق تعظيماً كثيراً، ويدعو له، ويقعد بين يديه، كما يقعد المتعلم من العالم(296). مع أن الشيخ العماد يعد من أقران الشيخ الموفق.
وقال سبط ابن الجوزي: "شاهدت من الشيخ أبي عمر، وأخيه الموفق، ونسيبه العماد، ما نرويه عن الصحابة والأولياء الأفراد، فأنساني حالهم أهلي وأوطاني، ثم عدت إليهم على نية الإقامة، عسى أن أكون معهم في دار المقامة"(297).

المطلب الثاني: ألقاب الشيخ الموفق وأسماؤه العلمية:-
موفق الدين، الإمام، العالم البارع، أحد الأئمة الأعلام، الحجة، إمام الأئمة، مفتي الأمّة، العالم الأوحد، الصَّدر، شيخ الإسلام، الزاهد، الورع، التقي، الرباني، المفتي، العابد، العارف بالله ورسله، بحراً لا ينزف، حبر، ثقة، نبيلاً، شرف الإسلام، الكامل، الإمام الأوحد(298).

المبحث الثالث
مكانته العلمية:
وصل الإمام الموفق إلى منزلة علمية عالية، ودرجة إيمانية سامية، أهلته أن يكون إماماً ومرجعاً في علوم مختلفة، وفنون شتى.فصار إماماً وخطيباً ومعلماً، يصلي الناس خلفه، ويسمعون خطبه ودروسه. ويحضر إليه طلبة العلم من شتى بلاد الإسلام، لحضور دروسه، والأخذ منه في مختلف العلوم.

المطلب الأول: الإمام موفق الدين إماماً وخطيباً ومُعلِّماً:-
كان الموفق – رحمه الله – بعد موت أخيه الشيخ أبو عمر، هو الذي يؤم بالجامع المظفريّ ويخطب، وهو الذي يؤم الناس في محراب الحنابلة في جامع دمشق، إذا كان فيها، وإلا صلّى بالنّاس الشيخ العماد(299).

وكان الإمام الموفق يتفرغ لتدريس الناس إذا كان في دمشق, في جامعها، وكان يعلم الناس من الصباح إلى ارتفاع النهار، وبعد الظهر يقرأ عليه تلاميذه، إما من الحديث أو من تصانيفه إلى المغرب، وربما قرأ عليه بعضهم وهو يتعشى، فلا يري لأحد ضجراً. كما كان يدرس النّحو وإذا صعد الإمام الموفق إلى الجبل، ينزل مكانه الشيخ العماد.
وأقام الشيخ الموفق مدة، يعمل حلقة للمناظرة، يوم الجمعة بجامع دمشق(300).

المطلب الثاني: الإمام موفق الدين قارئاً وجامعاً للقراءات:-
قرأ الإمام الموفق القرآن وحفظه وله عشر سنين(301)، وتتلمذ على شيوخ القراءات مثل الشيخ أبو اليمن الكندي في الشام، وقرأ القرآن بقراءة أبو عمرو بن العلاء من الشيخ أبي الفتح بن المّنَي، وبقراءة نافع من الشيخ أبي الحسن البطائحي، وكان يقرأ كل يوم وليلة سُبُع القرآن ويقوم الليل بها ويقرأ بصوته الحسن(302).

"وكان - رحمه الله – إماماً في القرآن وتفسيره" كما قال الضياء. وله تصانيف في ذلك مثل كتاب " البرهان في علوم القرآن" وكتاب " جواب مسألة وردت من صرخد في القرآن"(303).

المطلب الثالث: الإمام موفق الدين فقيهاً:-
منذ صغر الإمام الموفق وميله إلى الفقه، فقد حفظ مختصر الخِرَقي وهو صغير(304).
وعندما ارتحل إلى بغداد تفقه على مذهب الإمام أحمد حتى برع فيه وأفتى(305). وصار إماماً في الفقه ليس له في زمانه نظير في العلم على مذهب الإمام أحمد(306)، بل إنه صار إماماً في الفقه على جميع المذاهب. قال عنه الضياء " إماماً في الفقه، بل أوحد زمانه فيه، إماماً في علم الخلاف، أوحد زمانه في الفرائض، إماماً في أصول الفقه".

ومما يدل على تمكنه من الفقه في شتى المذاهب، أن الإمام العز بن عبد السلام(307) – وهو شيخ الشافعية – سئل: أيّما كان أعلم فخر الدين ابن عساكر(308)، أم الشيخ الموفق؟ فغضب، وقال: "واللهِ، موفق الدين كان أعلم بمذهب الشافعّي من ابن عساكر، فضلاً عن مذهبه"(309).

وقال عمر بن الحاجب عن الموفق: "وأما الفقه فهو فارس ميدانه، أعرف الناس بالفتيا".

وقد صنف الإمام الموفق كتباً في الفقه، أهمها كتاب "المغني" شرح فيه "مختصر الخِرَقي" وكان يعلم الفقه وأصوله في جامع دمشق وجامع الحنابلة في الصالحية.
قال العز بن عبد السلام: " لم تطب نفسي بالفتيا، حتى صار عندي نسخة المغني"(310)

ومما قاله الشيخ يحيى الصرصري(311) في مدح الشيخ الموفق وكتبه في الفقه:
وفي عصرنا كـان الموفّق حجـة على فقهه، ثبـت الأصول محوّلي
كفى الخلق "بالكـافي"، واقنع طالباً "بمقنع" فقه عـن كتـاب مطـوّل
وأغنى "بمغني" الفقه من كان باحثاً "وعمدته" من يعتـمدها يُحصـِّل
"وروضته" ذات الأصول كروضةٍ أماست بها الأزهار، أنفاس شمأل
تدل على المنطـوق أوفـى دلالةً وتحمل في المفهوم أحسن محمل(312).

قال الحافظ الضياء: "رأيت الإمام أحمد بن حنبل في النوم وألقى علي مسألة في الفقه، فقلت: هذه في الخِرَقيّ، فقال: ما قصر صاحبكم الموفق في شرح الخِرَقيّ"(313).


المطلب الرابع: الإمام موفق الدين محدثاً:-
رغم أن الإمام الموفق غلب عليه الإشتغال بالفقه، إلا أنه كان محدثاً روى الحديث الكثير. فقد نشأ وسمع الحديث من والده وأخيه الشيخ أبي عمر وهو صغير، وقبل أن يرحل الى بغداد، سمع بدمشق الكثير من الحديث(314).
وفي بغداد سمع الحديث وروى الحديث عن كبار المحدثين فأتقن الحديث مع الفقه والخلاف وغيرها(315). قال عنه ابن الحاجب في وصف علمه في الحديث: "فأما الحديث، فهو سابق فرسانه" وقال عنه الحافظ ضياء الدين: "إمام في الحديث ومشكلاته".

وكان يعلم الحديث بعد الظهر إلى المغرب في جامع دمشق. وله في الحديث مؤلفات منها: كتاب التوابين، وكتاب الرقة والبكاء(316), ومختصر كتاب العلل للخلاّل(317)وغيرها(318).
وقد وجدت عشرات الأحاديث التي رواها الإمام الموفق بسنده في العديد من الكتب، أورد هنا بعضها:-

1- أورد الإمام الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام:
أخبرنا عبد الحافظ بقراءتي، أخبرنا أبو محمد بن قدامة، أخبرنا عبد الواحد بن الحُسين، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن الحسين بن المنذر، حدثنا عمر بن دينار إملاءً، حدثنا أبو يزيد يوسف بن يزيد بن كامل، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا عثمان بن مكتل، وأنس بن عِياض، قالا: حدثنا الحارث بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أحب البلاد الى الله مساجدُها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقُها"(319).

2- أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، أخبرنا الإمام موفق الدين عبد الله بن قدامة، أخبرنا هبة الله بن الحسن، أخبرنا عبد الله بن علي الدقّاق، أخبرنا علي بن محمد المعدل، أخبرنا محمد بن عمرو الرزاز، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا حسين بن محمد، وموسى بن داود، قالا: حدثنا شيبان، عن منصور, عن إبراهيم, عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمر إحدانا إذا حاضت، أن تأتزر، ثم يباشرها"(320).

3- وفي سير اعلام النبلاء أيضاَ:
أخبرنا عبد الحافظ، أخبرنا ابن قدامة، أخبرنا أبي أحمد بن محمد، أخبرنا رُزَيْن بن معاوية، أخبرنا الحسين بن علي، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، أخبرنا ابن سفيان، حدثنا مسلم، حدثنا ابن قعنب، حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-:" إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه"(321).
4- وفي سير أعلام النبلاء:
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو محمد بن قدامة، أخبرتنا شُهدة وطائفة، قالوا: أخبرنا طرّاد الزينبيّ، حدثنا هلال بن محمد، حدثنا الحسين بن عياش، حدثنا أبو الأشعث، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا شعبة، حدثنا جبلة بن سُحَيْم، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جّر ثوباً من ثيابه مخيلة، فإن الله لا ينظر إليه "(322).
5- يقول الإمام الذهبي: "سمعت كتاب سنة ابن ماجة، من القاضي تاج الدين عبد الخالق بن عبد السلام، ومن ذلك بقراءتي نحو الثلث الأول من الكتاب، وحدثني بالكتاب كله عن الشيخ موفق الدين عبد الله بن قدامة سماعاً في سنة 611هـ(323).
6- ويقول ابو شامة المقدسي في ترجمته عن الإمام الموفق: وسمعت منه مسند الإمام الشافعي، وفاتني منه ورقتين عند باب استقبال القبلة، وبسماعه من أبي زرعة(324).

المطلب الخامس: الإمام موفق الدين مناظراً:-
كانت المناظرات سائدة في تلك الفترة، خاصة في العقائد بين الأشاعرة والحنابلة، وبين أصحاب المذاهب المختلفة، كلُ يريد أن يظهر الحق إلى جانبه، وأن يفحم خصمه بالحجة والدليل.

والمناظرة فنٌّ لا يتقنه إلا القلة، ذلك أنه يحتاج إلى سرعة البديهة، وقوة الحجة، والقدرة على الإقناع، والإطلاع الواسع، ودقة الملاحظة، والفهم الدقيق، وضبط النفس، وعدم الانفعال.

وقد كان الإمام الموفق مناظراً قوياً، لا يكاد يغلبه أحد. يفحم الخصوم بالحجج والبراهين، ولا يتحرّج ولا ينزعج، وخصمه يصيح ويحترق(325). قال الضياء: "وكان لا يكاد يناظر أحداً إلا وهو يبتسم، حتى قال بعض الناس: هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسمه(326). ومن ذلك أن الإمام الموفق ناظر ابن فضلان(327)، فغلبه الموفق.

وأقام الإمام الموفق مدة يعمل حلقةً يوم الجمعة بجامع دمشق، يناظر فيها بعد الصلاة، ويجتمع إليه الناس، ثم ترك ذلك آخر حياته(328).
المطلب السادس: الامام موفق الدين شاعراً:-
للإمام موفق الدين نظمٌ كثيرٌ حسن(329)، وكان يقول الشعر الحسن في شتى المواضيع.
فمن شعره في الرثاء قصيدة طويلة هذه أبيات منها:
مات المحبُّ ومات العِزُّ والشّرف(330) أئمـةٌ ســـادةٌ ما منهــم خلف
كانـوا أئمة علـمٍ يسـتضاء بهم لَهَفي علـى فقدهـم لو ينفـع الَلَهف
ما ودعوني غداة البَيْـنِ إذ رحلوا بل أودعوا قلبي الأحزان وانصرفوا(331)

وله في الرقائق قصائد من الشعر منها:
أتغفل يا ابن أحمــد والمنايا شوارع يَخْتَرِمْنَك عن قريب؟
أغرّك أن تخطتْك الرزايــا فكم للموت من سهم مصيب؟
كؤوس الموت دائرة علينا وما للمرء بدٌ من نصيب
إلى كم تجعل التسويف دأبـاً أما يكفيك إنــذار المشيب؟
أما يكفيـك أنك كلّ حيــن تمرّ بغيــر خلًّ أو حبيب؟
كأنك قـد لحقت بهم قريبــاً ولا يغنيك إفـراط النحّيب(332).

وله في الرقائق أيضاً:
أبعـد بيـاض الشعر أعمـر مسكناً سوى القبر؟ إني إن فعلت الأحمق
يخبِّرنـي شــيبي بأنـــي مَيِّتٌ وشيكاً، وينعاني إلـيّ، فيصـدق
يُخرَّق عمـري كـل يـوم وليلـةٍ فهل مسـتطيع رفْوَ مـا يتخـّرقُ
كأني بجسمـي فوق نعشـي ممـدّدٌ فمن سـاكتٍ أو مُعْـوٍلٍ يتحـرق
إذا سُئِلوا عنـي أجابـوا وأعـولوا وأدمعهم تنْـهَلُّ هــذا المـوفقّ
وغيِّبت في صَدْعٍ من الأرضِ ضيّقٍ وأودعت لحداً فوقه الصخر مُطْبِقُ
ويحثو عَلّيَ التُّرْبٌ أوثَـق صـاحبٍ ويُسْلٍمني للقبـر مـن هـو مُشْفِق
فيا ربِّ كـن لي مؤنساً يوم وحشتي فإنـي بما أنزلتـــه لمصـدِّق
وما ضرَّني أنـي إلى الله صائــرٌ ومن هو من أهلي أبـرُّ وأرفق(333)

وله في الإعتزاز بالنفس:
لا تجلسنّ بباب من يأبى عليـك دخول دَاره
وتقول حاجاتي إليه يَعُوقهـا إن لــم أُدارِه
أتركه واقصد رّبّها تُقضى ورب الدار كارِه(334)

المطلب السابع: عقيدته – رحمه الله-:-
كان الإمام الموفق من الحنابلة في مذهبهم الفقهي، وفي عقيدتهم. ومذهب الحنابلة في العقيدة يرتكز على أمرين:-
الأول: القول بأن القرآن الكريم ليس بمخلوق.
الثاني: إمرار صفات الله تعالى على ظاهرها، من غير تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل(335).

يقول أبو شامة المقدسي عن الموفق: "كلامه فيما يتعلق بالعقائد في مسائل الصفات والكلام هو على الطريقة المشهورة عند أهل مذهبه(336).

فإن الإمام الموفق – رحمه الله – لم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام، ولو كان بالردِّ عليهم، وهذه طريقة الإمام أحمد والمتقدمين. وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاقاً ما لم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإصرار لما جاء في الكتاب والسنة من الصفات، من غير تفسير ولا تكييف ولا تعطيل(337).

ومن ذلك أن الإمام أبو عبد الله اليونيني، كان يسمع اتهام النّاس للحنابلة بالتشبيه، فأراد أن يسأل الإمام الموفق عن ذلك، فقال له الإمام الموفق: التشبيه مستحيل فقال اليونيني: وَلِمَ؟ قال: لأن شرط التشبيه، أن نرى الشيء ثم نشبِّهُه، من الذي رأى الله ثم شبّهه لنا؟(338).

المبحث الرابع
تلاميذ الإمام الموفق:
سمع من الإمام الموفق خلق كثير يصعب حصرهم في هذا البحث سواء في الحديث أو الفقه أو غيرها من العلوم، منهم من أكثر الأخذ عنه، ومنهم من أقل. ومن هؤلاء التلاميذ المقادسة الذين عاصروا الإمام الموفق وأدركوه ومنهم:-
الشمس محمد بن الكمال عبد الرحيم المقدسي، البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي، الجمال أبو موسى عبد الله بن عبد الغني المقدسي، الضياء المقدسي، وشمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، والعز إبراهيم عبد الله بن أبي عمر، والفخر علي بن البخاري، والعز أحمد بن العماد عبد الحميد(339), والسيف أحمد بن عيسى(340)، والمحب عبد الله بن أحمد السعدي المقدسي(341)، والشرف حسن بن عبد الله بن سرور المقدسي(342)، والحافظ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الغني المقدسي(343)، والعز محمد بن الحافظ عبد الغني، وولداه التقي أحمد والعزّ عبد الرحمن(344).

ومن النّساء المقدسيات: حفيدته عائشة بنت المجد عيسى(345)، وآمنة بنت الشيخ أبو عمر(346)وغيرهنّ.

ومن أبرز تلاميذه من غير المقادسة:-
1- الإمام الحافظ معين الدين أبو بكر محمد بن عبد الغني البغدادي "ابن نقطة" (570-629)(347).
2- الإمام المحدِّث شمس الدين ابو الحجّاج يوسف بن خليل الأدميّ (555-648هـ) شيخ المحدثين وراوية الإسلام(348).
3- الإمام العلامة شيخ الإسلام زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذريّ الشافعي(581-646هـ) الحافظ المحقّق صاحب التصانيف، سمع من الموفق بدمشق(349).
4- العلامة شهاب الدين عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم المقدسيّ الشافعيّ "ابو شامة المقدسي"(599-656هـ) المقرىء النحوي المؤرخ صاحب التصانيف(350).
5- المسند الفقيه عِزُّ الدين أحمد بن عبد الدايم بن نعمة (575-668هـ) مسند الشام وفقيهها ومحّدثها(351).
6- الشيخ الحافظ عماد الدين عبد الحافظ بن بدران بن شبل النابلسي (ت698هـ) صاحب المدرسة بنابلس(352)
7- الإمام العدل المسند الكبير عز الدين إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمر المرداوي (ت700هـ) روى الصحيح(353).
8- مسند الشام تقي الدين أحمد بن عبد الرحمن بن مؤمن الصُّوري (ت701). وهو آخر تلاميذ الموفق موتاً، سمع من الموفق جزءاً من "الموطأ"(354).
9- شيخ الإسلام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله اليونيني (572-658هـ) الإمام العلامة(355).

ومن تلميذاته:-
1- الزاهدة العابدة زينب بنت علي بن أحمد الواسطيّ (ت695هـ)(356) توفيت وعمرها 90 سنة
2- الشيخة صفية بنت عبد الرحمن بن عمرو الفرّاء (ت699) أعدمها التتار عن 89 سنة، هي وأخيها إبراهيم الفراء، وكلاهما روى عن الشيخ الموفق(357).
3- الشيخة صفية بنت علي بن أحمد الواسطي(ت692هـ). وقد روت هي وأختها زينب المذكورة, وأخوها شيخ الإسلام تقي الدين إبراهيم، عن الشيخ الموفق(358).

ومن دراسة تلاميذ الشيخ الموفق نستنتج ما يلي:-
1- تخرج على الإمام الموفق وروى عنه، عدد كبير من كبار علماء وفقهاء زمانهم.
2- التلاميذ المقادسة هم الأكثر أخذاً عن الإمام الموفق، لأنهم كانوا يسكنون الصالحية، ويدرسون في مدرسة الشيخ أبو عمر، أو في جامع الحنابلة أو كليهما، منذ نعومة أظفارهم.
3- تلقى من الإمام الموفق أتباع المذاهب المختلفة، وهذا يدل على مكانة الموفق العلمية، وعلى احترام إتباع المذاهب الأخرى له ولعلمه.
4- تتلمذ على الإمام الموفق نساء فاضلات، يلاحظ من تاريخ وفياتهمّ تلقيهنّ العلم على الإمام الموفق وهنّ صغيرات.

المبحث الخامس
مؤلفات الإمام الموفق:
لقد صنّف الإمام الموفق كتباً جليلة في كثير من العلوم، تدلّ على سعة اطلاعه وغزارة علمه.

يقول ابن رجب عن تصانيف الإمام الموفّق: "صنّف الشيخ الموفق – رحمه الله – التصانيف الكثيرة الحسنة في المذهب، فروعاً وأصولاً، وفي الحديث، واللغة، والزهد، والرقائق، وتصانيفه في أصول الدين في غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار، وبالأسانيد، ...، وانتفع بتصانيفه المسلمون عموماً، وأهل المذهب خصوصاً، وانتشرت واشتهرت بحسن قصده وإخلاصه في تصنيفها"(359).

ويقول ابن النجّار: "صنَّف التصانيف المليحة في المذهب والخلاف"(360).

ويقول أبو شامة المقدسي:"صنّف كتباً كثيرةً حساناً في الفقه وغيره"(361).

ومما يدلّ على أهميّة تصانيفه، أنها أصبحت مرجعاً لطلبة العلم، فقد صار طلبة العلم يأخذون العلم من الإمام الموفق من تصانيفه، ويدرسونها عليه(362).

ويعد كتاب المغني من أعظم تصانيفه وأجلِّها، وصار الإمام الموفق يعرف به، كما في البداية والنهاية(363).
وفيه قال الإمام العز بن عبد السلام: "ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل "المحلَّى" "والمجلَّى"(364)، وكتاب "المغني" للشيخ موفق الدين بن قدامة، في جودتهما وتحقيق ما فيهما. وقال: "لم تطب نفسي بالفتيا، حتى صار عندي نسخة المغني".

وفي العصر الحديث يقول الشيخ خليل الميس مدير أزهر لبنان عن "المغني": "يعتبر بحق موسوعة الفقه الإسلامي المقارن ومفخرة جهود فقهاء الحنابلة"(365).

ويقول محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار عن الإمام الموفق: "وقد ألف عدة كتب في فقه الحنابلة، وأراد أن يكون كتابه "المغني" في فقه المسلمين كافة، فهو يذكر أقوال علماء الصحابة والتابعين، وعلماء الأمصار المشهورين، كالأئمة المتبوعين، ويحكي أدلة كل منهم،... فالمزية الأولى لكتاب "المغني" أنه لخّص لنا مذاهب فقهاء المسلمين المجتهدين، بأدلتها في أمّهات الأحكام ومهمات المسائل، فأغنانا عن مراجعة كتب المذاهب الكثيرة، فيما نحتاج الى الوقوف عليه فيها"، ثم يقول: "وإذا يسّر الله تعالى لكتاب "المغني" من يطبعه، فأنا أموت آمناً على الفقه الإسلامي أن يموت"(366).

أما مؤلفاته التي استطعنا حصرها(367) فهي:-
في أصول الدين:-
1- البرهان في علوم القرآن. جزءان
2- جواب مسألة وردت من صرخد في القرآن. جزء
3- الإعتقاد. جزء
4- مسألة العلوّ. جزءان
5- ذمّ التأويل. جزء
6- كتاب القدر. جزءان
7- فضائل الصحابة. جزءان
8- رسالة إلى الشيخ فخر الدين ابن تيمية في عدم تخليد أهل البدع في النار.
9- تحريم النّظر في كتب أهل الكلام.
10- منهاج القاصدين في فضائل الخلفاء الراشدين(368).

الحديث الشريف:-
11- مختصر العلل للخلال. مجلد ضخم
12- مشيخة شيوخه. أجزاء كثيرة
13- غريب الحديث(369).

الفقـه:-
14- المغني. عشر مجلدات
15- الكافي. أربع مجلدات
16- المقنع. مجلد
17- مختصر الهداية . مجلد
18- العمدة. مجلد.
19- مناسك الحج. جزء
20- ذم الوسواس. جزء

أصول الفقـه:-
21- الروضة. مجلد

اللغة والأنساب:-
22- قنعة الأريب في الغريب. في اللغة. مجلد
23- التبيين في أنساب القرشيين. مجلد
24- الإستبصار في نسب الأنصار. مجلد

الزهد والرقائق
25- كتاب التوابين. مجلد
26- المتحابين في الله. جزءان
27- الرقة والبكاء. جزءان
28- فضائل عاشوراء. أجزاء
29- فضائل العشر. جزء
وغيرها
30- الخلاف بين العلماء(370). 20 مجلداً
31- مقدمة في الفرائض(371).
32- وصيته – رحمه الله – (372). جزء
وله أجزاء كثيرة في الحديث، وفتاوى ومسائل منثورة، ووسائل كثيرة في الفقه(373).

المبحث السادس:
كرامات الامام الموفق:
يقول ابن كثير عن الإمام الموفق: " وكانت له أحوال ومكاشفات"(374).

وقد ذكرت كتب التراجم والتاريخ كثير من الكرامات، التي تدل على أن الإمام الموفق كان من الأولياء الصالحين. وهذه بعض كراماته:-
يقول الحافظ أبو عبد الله اليونيني: "لمّا كنت أسمع شناعة الخلق على الحنابلة بالتشبيه، عزمت على سؤال الشيخ الموفق عن هذه المسألة، وهل هي مجرد شناعة أو قال بها بعضهم؟..، وبقيت مدة شهور أريد أن أسأله، فما يتيسر لي خلوّ المكان، إلى أن سهّل الله لي بخلوّ الطريق، وصعدت معه إلى الجبل،...، وما اطلع على ضميري سوى الله عز وجل، فقلت له: "يا سيدي" فالتفت إليّ وأنا خلفه، فقال لي: التشبيه مستحيل، وما نطقت له بأكثر من قولي: "يا سيدي" فلما قال ذلك تجلّدت، وقد أُخبر بما أريد أن أسأله عنه، وكشف الله له الأمر،..."(375)

ويقول الذهبي: سمعت الشريف أبا عبد الله محمد بن كبّاس الأعناكيّ يقول:" قلت في نفسي، لو كان لي قدرة لبنيت للموفق مدرسة، وجعلت له كل يوم ألف درهم. ثم جئت إليه بعد أيام، فسلّمت عليه، فنظر إلي وتبسّم وقال: إذا نوى الشخص نية خَيْر، كتب له أجرها"(376).

وحكى أبو الحسن علي بن حمدان الجرّاحي قال:" كنت أبغض الحنابلة لِما شاع عنهم من سوء الاعتقاد، فمرضت مرضاً شنّج أعضائي، وأقمت سبعة عشر يوماً لا أتحرك، وتمنيت الموت. فلما كان وقت العشاء، جاءني الموفق، وقرأ عليَّ آيات وقال: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ )(377) ومسح على ظهري، فأحسست بالعافية، وقام, فقلت: يا جارية، افتحي له الباب فقال: أنا أروح من حيث جئت، وغاب عن عيني، فقمت من ساعتي إلى بيت الوضوء. فلما أصبحت، دخلت الجامع فصليت خلف الموفق، وصافحته، فعصر يدي، وقال: إحذر أن تقول شيئاً, فقلت: أقول وأقول"(378).


















الفصل الخامس

وفاته – رحمه الله –

- المبحث الأول: وفاته.

- المبحث الثاني: دفنه.

- المبحث الثالث: ما جاء في وفاته.


الفصل الخامس
وفاته – رحمه الله –

المبحث الأول
وفاته – رحمه الله – :
يقول الضياء سمعت أختاي- زينب وآسية- تقولان: لمّا جاء خالنا – أي الموفق – الموت، هلّلنا، فهلّل، وجعل يستعجل التهليل، حتى توفي – رحمه الله –(379).

وكانت وفاته بمنزله في دمشق، يوم السبت, يوم عيد الفطر سنة 620هـ (380). وقد بلغ ثمانين سنة.

المبحث الثاني:
دفنه:
صلّي عليه في نهار يوم عيد الفطر، وحُمِل إلى سفح قاسيون, ودفن بمقبرة المقادسة خلف الجامع المظفريّ. وكانت له جنازة عظيمة ذات جمع وافر، امتد الناس في طرق جبل قاسيون فملاؤها، وكان الخلق لا يُحصي عددهم إلا الله عز وجلّ (381).

المبحث الثالث
ما جاء في وفاته:
قال الذهبي: سمعت الإمام إسماعيل بن حّماد الكاتب يقول: رأيت ليلة عيد الفطر كأني عند المقصورة، فرأيت كأن بصحف عثمات عُرجَ به، وأنا لحقني من ذلك غمّ شديد، وكأن الناس لا يكترثون لذلك. فلما كان الغد، قيل: مات الشيخ الموفق.
وسمعت خالد بن عبد الله الحبشي يقول: إنه ليلة توفي الشيخ الموفق رأى كأن القرآن قد رُفع من المصاحف.
وسمعت الإمام عبد المحسن بن عبد الكريم المصريّ يقول: رأيت وقت مات الشيخ الموفق في النّوم، كأن قناديل الجامع قد رفعت كلها.

وسمعت الشريف عبد الرحمن بن محمد العلوي يقول: رأينا ليلة الأحد في قريتنا مُرْدك_ وهي في جبل بني هلال(382)_ ضوءاً عظيماً جداً حتى أضاء له جبل قاسيون، فقلنا قد احترقت دمشق، وخرج أهل قريتنا الرجال والنساء يتفرجون على الضوء. فوصل الخبر بوفاة الموفق يوم العيد(383).

ورأى أحمد بن سعد المقدسيّ _ وكان من الصالحين _ قال: رأيت ليلة العيد الملائكة ينزلون من السماء جملة، وقائل يقول: إنزلوا بالنوبة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ينقلون روح الموفق الطيبة في الجسد الطيب(384).

وقد رثى الشيخ صلاح الدين أبو عيسى موسى بن محمد بن خلف بن راجح المقدسيّ الإمام الموفق في قصيدة طويلة. ومنها هذه الأبيات:
لم يبق لي بعد الموفق رغبــة في العيش، إن العيش سم منقعُ
صَدْر الزمان وعينـه وطرازه ركن الأنام الزاهــد المتورعُ
بحر العلوم أبو الفضائل كلـها شَمْل الشريعة بعـده لا يُجْمعُ
لله درك كم لشخصك من يَــدٍ بيضاء في كل الفضائل تَرْتـعُ
قد كنت عبـداً طائعاً لا تنثنـي عن باب ربِّك والخلائق هُجَّـعُ
تتلو كتاب الله في جُنْحِ الدّجـى كزبـور داود النّبـيِّ تُرّجِّـعُ
لو كان يمكن من فدائك رُخصة لفـدتك أفئـدةٌ عليك تقطّــعُ(385)

رحم الله الإمام الموفّق رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء عمّا ترك للمسلمين من بعده من ثروة علمية، سواءً منه أو من تلاميذه ، ومن أخذ عنهم إلى يوم الدين.






الخاتمــة وتوصيـات البحـث

اتضح لنا من خلال هذه الدراسة ما يلي:-
1- أن موفق الدين المقدسي ولد أثناء الإحتلال الصليبي لفلسطين، وكان للإحتلال الصليبي الأثر الكبير على الحياة في فلسطين والعالم الإسلامي بكافة جوانبها، والسبب الأكبر في هجرة بني قدامة من فلسطين الى دمشق.
2- الإمام موفق الدين هو عبد الله بن احمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر الجمّاعيلي المقدسيّ المولد الدمشقّي المسكن الحنبليّ المذهب، ولد سنة 541هـ، لأسرة عرف عنها طلبها للعلم مع التقوى والورع والجهاد.
3- نشأ الإمام الموفق نشأة علمية، ثم رحل الى بغداد ثلاث مرات طلباً للعلم، وجاهد في سبيل الله وشارك في فتح بيت المقدس.
4- وصل الإمام الموفق الى مكانة علمية عالية، فكان عالماً في الحديث والفقه والقراءات والأصول واللغة والانساب والنجوم السيارة وغيرها من العلوم.
5- تتلمذ على يد الإمام الموفق عدد من كبار العلماء في زمانهم، وصار يقصده طلبة العلم من كل مكان، وله التصانيف العظيمة في العلوم المختلفة.
6- توفي الإمام الموفق – ر حمه الله- يوم عيد الفطر سنة 620هـ، ودفن في سفح جبل قاسيون وكانت له جنازة عظيمة، حضرها جمع غفير لا يحصى عددهم ملأوا طرق جبل قاسيون.
أما عن توصيات البحث:
من خلال دراستي وإعدادي لهذا البحث – رغم صغره- وجدت أن هناك تقصيراً، في دراسة تاريخنا الإسلامي في فلسطين وتاريخ علمائها، لذلك فإنني خرجت بالتوصيات التالية التي نحن بحاجة اليها. وأهمها:-
1- دراسة أثر الحروب الصليبية على النهضة العلمية في فلسطين.
2- عمل موسوعة شاملة لعلماء فلسطين، تجمع شتات تراجمهم من كتب التاريخ والتراجم والسير وغيرها، لتصنع سيرة ذاتية وعلمية لكل واحد منهم.
3- تشجيع الطلبة على عمل البحوث حول هؤلاء العلماء الأجلاء، وتخصيص البحث الواحد لشخصية محددة.
4- دراسات حول أثر هؤلاء العلماء على مختلف العلوم الإنسانية والفكرية.




الملاحــق


آثاردار ابن قدامة/جمّاعين[ 1 ملحق]

مسجد ابن قدامة /جمّاعين[ 3 ملحق]

آثار مقام علم الهدى/جمّاعين[ 4 ملحق]

مقام الشيخ محمّد الزيتاوي /جمّاعين[ ملحق5]

مشروع (مركز الإمام ابن قدامة المقدسي الجمّاعيلي ) [ ملحق 6]

التابع للجنة زكاة وصدقات جمّاعين

فهرس المراجع

أ‌- القرآن الكريم.
ب‌- الحديث الشريف:
1- سنن ابن ماجة/ الحافظ محمد بن يزيد القزويني(207-275هـ)/ تحقيق: خليل مأمون شيحا/ دار المعرفة/ بيروت/ ط1(1419- 1998).
2- صحيح ابن حبان/ الحافظ محمد بن حِبان البُستي(ت354هـ)/ تحقيق: شعيب الأرناؤوط وحسين أسد/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ ط1(1404-1984).
3- صحيح البخاري/ الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري(194-256هـ)/ تحقيق: عبد العزيز بن باز/دار الفكر/ بيروت/ط1(1411-1991).
4- صحيح مسلم/ الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري(206-262هـ)/ تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي/دار إحياء التراث العربي/بيروت/ط1(1374-1955).
5- المسند/ أحمد بن محمد بن حنبل(164-241هـ)/شرح وفهرسة: أحمد محمد شاكر/دار الحديث/ القاهرة/ط1(1416-1995).

ت‌- كتب التاريخ:
6- البداية والنهاية/ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي (ت774هـ)/ مكتبة المعارف / بيروت
7- تاريخ الإسلام/الحافظ محمد بن أحمد الذهبي(ت748هـ)/تحقيق: د.عمر عبد السلام تدمري/دار الكتاب العربي/بيروت/ط1(1997).
8- التاريخ الإسلامي/ محمود شاكر/ المكتب الإسلامي/ بيروت/ ط3 (2000م).
9- الدارس في تاريخ المدارس/ عبد القادر بن محمد النعيمي(ت 978هـ)/تحقيق: إبراهيم شمس الدين/دار الكتب العلمية/ بيروت/ط1(1410هـ).
10- الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية/شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم "أبو شامة المقدسيّ" (599-665هـ)/ تحقيق إبراهيم الزيبق/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ ط1 (1997م).
11- شذرات الذّهب في أخبار من ذهب/ عبد الحي بن أحمد العكري (1032-1089هـ)/ دار الكتب العلمية/ بيروت.
12- القلائد الجوهرية في تاريخ الصّالحية/ محمد بن طولون الصالحي (953هـ)/ تحقيق محمد أحمد دهمان/ مطبوعات مجمع اللغة العربية/ دمشق/ط 2 (1401هـ/1980م).
13- الكامل في التاريخ/ أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري (ت630هـ)/تحقيق محمد يوسف الدقاق/دار الكتب العلمية/ بيروت/ ط3 (1998م).
14- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة/ جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي (813-874هـ)/ المؤسسة المصرية العامة/ مصر.
15- مرآة الجنان وعبرة اليقظان/ أبو محمد عبد الله بن أسعد اليافعيّ اليمنيّ (ت768هـ)/ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات/ بيروت/ط2 (1390 هـ- 1970م).
16- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك/ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي (ت 597هـ) دار صادر/ بيروت/ ط1(1358هـ).

ث‌- كتب التراجم:
17- الأعلام/خير الدين الزركلي/دار العلم للملايين/ بيروت/ط15(2002).
18- تراجم رجال القرنين السادس والسابع (الذيل على الروضتين)/الحافظ عبد الرحمن بن إسماعيل "أبو شامة المقدسي" (ت665هـ)/صححه: محمد زاهد بن الحسن الكوثري/ دار الجيل/ بيروت/ط2 (1974م).
19- التكملة لوفيات النقلة/ عبد العظيم بن عبد القوي المُنْذريّ(581-656هـ) / تحقيق: د. بشّار معروف/مؤسسة الرسالة/بيروت/ط2(1981م).
20- ذيل تاريخ بغداد/ محمد بن سعيد بن محمد"ابن الدبيثي"(ت637هـ)/ اختصره: الإمام الذهبي/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ط1(1985).
21- ذيل تذكرة الحفاظ/أبو المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزه الحسيني الدمشقي (751-765هـ)/تحقيق حسام الدين المقدسي/ دار الكتب العلمية/ بيروت.
22- ذيل طبقات الحنابلة/الإمام زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد البغدادي (ابن رجب) (736-795هـ)/دار المعرفة للطباعة والنشر/بيروت.
23- سير أعلام النبلاء/الحافظ محمد بن أحمد الذهبي(673-748هـ)/تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي/مؤسسة الرسالة/ بيروت/ط9 (1413هـ).
24- طبقات الحفاظ/ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (849-911هـ)/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ ط1(1403هـ).
25- طبقات المفسرين/ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (849-5111هـ)/تحقيق علي محمد عمر/مكتبة وهبه/ القاهرة/ ط1 (1396هـ).
26- العبر في خبر من غبر/ محمد بن أحمد الذهبي (673-748هـ)/ تحقيق د. صلاح الدين المنجد/ مطبعة حكومة الكويت/ الكويت/ ط2 مصورة(1948م).
27- مختصر طبقات الحنابلة/جميل أفندي الشطي/مطبعة الشرقي/ دمشق (1339هـ).
28- معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار/ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (673-748هـ)/تحقيق: بشار معروف، شعيب الأرناؤوط، صالح مهدي عباس/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ط1(1404هـ).
29- المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد/برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت884)/ مكتبة الرشد للنشر والتوزيع/ الرياض/ط1 (1990).
30- الوافي بالوفيات/صلاح الدين بن خليل أيبك الصفدي/ تحقيق محمد يوسف نجم/ دار النشر فرانزشتاينر/ شتوتغارت/ ط2.
31- وفيات الأعيان/شمس الدين أحمد بن محمد بن خلّكان(608-681هـ)/تحقيق: د.إحسان عباس/دار الثقافة/بيروت(1968).

ج‌- المعاجم:
32- بلادنا فلسطين/ مصطفى مراد الدبّاغ/ دار الهُدى للنشر والتوزيع/ كفر قرع (2002م).
33- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون/ مصطفى بن عبد الله الرومي (1017-1067هـ)/دار الكتب العلمية/بيروت (1413-1992).
34- معجم البلدان/ ياقوت بن عبد الله الحموي (ت626 هـ)/ دار الفكر/ بيروت.
35- معجم المؤلفين/ عمر رضا كحالة/ دار المثنى ودار إحياء التراث العربي/ بيروت.
36- هدية العارفين/ إسماعيل باشا البغدادي/ وكالة المعارف الجليلة/ استانبول (1951).

ح‌- كتب أخرى:
37- التنويه والتبيين في سيرة الحافظ ضياء الدين/ د. محمد مطيع الحافظ/ دار البشائر الإسلامية / بيروت/ ط1 (1420هـ - 1999م).
38- جامع الحنابلة/ د.محمد مطيع الحافظ/دار البشائر الإسلامية/ بيروت/ ط1 (1423هـ-2002م).
39- الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية/ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (1050-1143)/ قسم إحياء التراث الإسلامي- دائرة الأوقاف والشؤون الإسلامية / فلسطين (1415هـ-1994م).
40- الشيخ عبد القادر الجيلاني/ د. عبد الرزاق الكيلاني/ دار القلم / دمشق/ ط1 (1414هـ - 1994م).
41- كتاب التوابين/ الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (541-620هـ)/ تحقيق خالد عبد اللطيف العلمي/ دار الكتاب العربي/ بيروت/ ط2 (1413هـ- 1993م) ترجمة وحياة المؤلف.
42- المغني والشرح الكبير/ للإمامين موفق الدين وشمس الدين ابني قدامة/ دار الفكر/ بيروت/ ط1 (1404-1984).
43- هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس/ د. ماجد عرسان الكيلاني/ الدار السعودية/ جدة/ ط1 (1405هـ).

خ‌- مواقع الشبكة العالمية (Internet):
44- ar.wikipedia.org.
45- www.alhawali.com.
46- http://abualala.jeeran.com.
47- www.swaida.com.





 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
  اجعلنا صفحتك الرئيسية اتصل بنا أضفنا إلى مواقعك المفضلة  

تصميم سيليكو

جميع الحقوق محفوظة لبلدية جماعين -  2006  فلسطين